المؤلف: جابرعناية | التاريخ: 2000-05-04 | رقم العدد:8590
حينما التفتت الكاتبة العراقية عالية ممدوح الى الوراء، متفحصة حروب شبابها بعد رهط السنين، أمسكت بقدرة الفنان على علاقتها بالتاريخ، الذي صنع نفسه بفعل قوانينه الخاصة، غير عابئ بها، غير واقع تحت شدة رجائها. كما الأدب غير منفصل عن مؤلفه، في دلالة التأكيد على وحدة الحياة والفن، تطرح الكاتبة في جديدها »الغلامة« عن »دار الساقي« اشكالية الاستقلال النسبي للإبداع، في عزم المحاولة على رده الى مصادره، الى مكانه الأساس وحياة مؤلفه، لتخفيف كثافته الى حد نكرانه. عندما تكتب عالية ممدوح، وهي كتبت »حبات النفتالين« و»الولع« قبل »الغلامة«، لا يعنيني نقاط ضعفها او ما هو جوهري في كتابتها. ان جمالية متكبرة، وإغراء مماثلا لقوة التنويم المغناطيسي، هما ما يستعبدانني كقارئة. كتابة تتحرك برشاقة محققة حلولها في الحياة، وحلولها في تاريخها العراقي في رؤية واضحة متحررة من وهم الروايات المشروطة بكمالها. ثمة لا تطابق عنيد وغاضب، وهو تطابق في المناخ ايضا، بين عالية ممدوح وتاريخها المهووس بمنطقه الاسود ذي الغنائية المرعبة. عقد عالية في »الغلامة« مبارزة علنية بينها وتاريخها، يتبدى فيها العداء الايديولوجي، دون العدوانية التي تتجاوز المعقول في قوتها الغامضة، التي حولتها الكاتبة الى شاشة عملاقة فردت فيها بعض كواليس القمع العراقي ومسرحه، بعض عويل جسدها المغتصب وروحها المقهورة، وكل الحب الذي لا يشفى للعراق الذي يسكنها. أحداث »الغلامة« في زمنها الحقيقي ولحظاتها الحقيقية، صاغتها الكاتبة في وداع عظيم لمرحلة كانت تؤمن بالأفكار، وبقدرتها على تسيير العالم. صفحات طويلة تبين اشكالية العزلة المتلطية خلف اللغة. وطنها داخل تلك اللغة. جسدها ايضا ورغباته، ذكرياتها الحارقة التي تجمعها مشتتة كما لو هي في سعي الى بناء شخصها الذي اختفى في ترحاله المستمر من اغتراب إثر آخر. الذكريات هي تأكيد الغياب، وصباها الحاضر في ذكرياتها هو ماض في طريقه الى النسيان، ومنفصل. عالية في »الغلامة« في قلب تاريخها العراقي، صباها العراقي ومعاركها الفكرية والجسدية والعاطفية. تكتب كما لمرة أولى وأخيرة، لتخلص دفعة واحدة من العراق وسيرته، رغم قناعتها وإيمانها، بأنها حية ستبقى على امتداد وجع العراق. برد باريس لم يفعل في صهيل صخبها الداخلي، سخونته، فكتبت في البرد الباريسي، يوميات عراقية لاهبة.