
علي حسن الفواز
قد تكون ثيمة الغائب هي البؤرة السردية في رواية «التانكي» للكاتبة عالية ممدوح، الصادرة عن منشورات المتوسط/ ميلانو- إيطاليا/ 2020. هذه الثيمة تحولت في المقابل إلى لعبة سردية مفتوحة، استدعت تمثيل نظام سردي يقوم على تقانة الاستعادة، والاسترجاع، في تمثليها لزمن غائب، وفي تحويل حكاية «ألبوم عائلة أيوب» إلى حكاية للزمن العراقي، عبر الانخراط في الكشف عن سرديات ثانوية موازية، تكون فيها «عفاف» الغائبة، هي المحرك الذي يوجه مسارات الحدث السردي، فتتحول وظيفة الغائب إلى بؤرة سردية، لتمثيل أصوات الشخصيات وإحالاتها النفسية، ولبيان مفارقتها في الكشف عن المخفي في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، والتعرّف على تحولاته وتناقضاته.
تأخذنا فصول الرواية السبعة إلى سرديات المدينة، حيث تتقصى سيرة المخفي منها، من خلال تتبع شخصياتها، التي تعيش واقعها المفارق، كاشفة عن ذواتها المأزومة، في علاقتها المضطربة بالمكان، وبالتحولات التي فرضها الزمن السياسي، وكذلك في علاقتها مع الشخصيات الأخرى، حيث يتحول الغياب إلى موقف، وإلى ما يشبه الخلاص، وعلى نحوٍ تبدو فيه أزمة البطلة وكأنها كناية عن أزمة اغترابها، في المكان/ المربع الذي فقد «يوتوبياه» بعد أن تعرّض إلى تشوهات سيميائية وأيديولوجية، وفي تمثيلها لانهيار المدينة «البورجوازية البغدادية»، والطبقة الوسطى فيها، ما جعلها تتحول إلى مكان معادٍ، مسكون بـ»التفاهة» والخوف، ومحرض على الهروب والغياب، عبر رمزية ولادتها عام 1958/ عام الانقلاب العسكري، وعبر رمزية مغادرتها بغداد عام 1979 عام صعود الاستبداد السياسي.
ما بين هذين الزمنين تحول المبنى الحكائي للشخصية إلى ما يشبه تمثيل مفارقات مبنى سيرتها، فارتهن وجود عفاف المتحول والمتشظي، بدءا من مفارقة المكان الأليف/ الواقعي والمتخيل، وانتهاء بمفارقة المنفى والاختفاء، حيث كشف وجودها في عالم «التانكي» عما هو «مسكوت عنه» في تلك المفارقات، وعن علاقتها النفسية بصدمة انهيار المكان والشخصية، وعن التحولات المعقدة والطاردة اجتماعيا وسياسيا وطبقيا، مثلما دفعها لا شعورها العميق بالفقد (فقد الخال، فقد المكان) إلى التماهي مع مفارقة موازية، تبدت عبر الإحساس الداخلي بالهامشية والهشاشة والتفاهة، وهي لحظات فارقة تمثلتها صدمات الزمن الثقافي العراقي، حيث صدمة التحول الرمزي في «كلية بغداد» المدرسة التي أسسها «الفاذريون اليسوعيون» في منطقة «صليخ بغداد»، بدا وكأنه صدمة وجودية، دفعت شخصيات المكان إلى الإحساس بالعطب، ليبدو انسحابها إلى المكان المتخيل/ المربع الذي اقترحه المهندس معاذ الآلوسي، وكأنه بحث عن التطهير، أو ربما بحث عن ضد نوعي للمكان الذي تم انتهاكه بعد عام 1968.
الشيفرة الطبقية في الرواية لم تكن بعيدة عن تلك المفارقات السردية، ولا عن الصراع الذي انخرطت فيه الشخصيات، فوصف المكان المتحول والمُنتهك تحوّل إلى وصف للزمن السياسي الذي يستبطن ذاكرة الشارع، فيحضر في الرواية بوصفه «الشارع الواقعي، الذي يحمل توصيفا طبقيا، تصفه الروائية بأنه «كائن وسط الصليخ الجواني، وهو الشارع ذاته المؤدي للكلية النازل من الكورنيش، فنصادف دار حكمت سليمان رئيس الوزراء في الثلاثينيات، ويقع في الجانب الغربي من الشارع يقابله سكن الفاذرية، بعدما صار سكنا للراهبات، سنعاود ذلك بعد أن تم طردهم في عام 1969 في حكم الرئيس أحمد حسن البكر».
سردية المدينة وسردية الجسد
تمثيل فكرة الغائب عبر شخصية «عفاف» يحمل معه تمثيلا موازيا لفكرة المدينة التي تغيب، والتي تغترب فيها الشخصيات، وعلى نحوٍ يجعل من هذا الاغتراب أكثر تعبيرا عن المفارقة، في عالمها الخارجي، وفي عالمها الداخلي، وفي موار أسرارها «المكنونة للذات المأزومة، والوقوف على مكبوتاتها ورغباتها»، إذ تبدت مظاهر التشوه والانسحاق الوجودي، وكأنها علامات متناقضة يبرز فيها التحول إلى ما يدعو إلى «موت المدينة»، ورغبتها في مواجهة ذلك الموت، عبر تحريك «المتخيل السردي» لاستيلاد «المكعب» اليوتوبي الذي تخيله المهندس معاذ الآلوسي، بوصفه المكان الضد، وعبر استعادة سيرة العائلة، من خلال ألبومها بوصفه تمثيلا سيميائيا لمواجهة النسيان والموت.
تقانة مواجهة «الموت» حضورا أكثر تمثلات اللعبة السردية، حيث تبدو استعادة شخصيات ألبوم العائلة وكأنها نوع من «الميتاسرد» الذي يقوم على قصدية استعادة ما هو غائب، حيث المدينة المغيبة، والشخصية الغائبة، وهو ما يتبدى عبر ما دونته الشخصيات الأخرى وهي تكشف في شهادتها السردية عن تحولات المدينة، تحولات الطرد، والمحو والنفي، وعن تحول «تعريق» كلية بغداد وطرد «الفاذرين» إلى علامة للتقويض المكاني، وانسحاق هويته، ولكل مظاهر التغيّر، الذي أخذ روح عفاف إلى «الاكتئاب» وأخذ جسدها إلى التشوه، ما دفعها إلى البحث عن المكان التعويضي، وعن الحب الغائب، وعن استعادة مدينتها الغائبة من خلال «الفنون» بتمثلاتها التشكيلية والصورية، عبر اللوحات والمنحوتات، حتى بدت هذه الاستعادة وكأنها مواجهة لكل انسحاقاتها الداخلية النفسية والجنسية، وهي نظير انشدادها إلى «المربع» اليوتوبي، الذي حملته معها وكأنه ترميز للتطهير، وللبحث عن الخلاص، «سنصمم المكعب معا، وندعو من نُغرم بهم إليه.. هو المكان الذي حلمنا به ثلاثتنا طرب وعفاف وصميم كي يكون عاصمة التشكيل والفن لمحبي العمارة والفن والفنانين والمجانين».
استيهامات «المربع» كدال مكاني، أو حلم يستفزها كشيفرة للنوستالجيا، تقابل رغبتها في البحث عن مكان تعويضي، تستغرقها عبره إشباعات المتخيل المكاني، حيث تجد في مدينة باريس ما يماثل تلك الإشباعات الرمزية في عالم الفنون والمعارض واللوحات، وهو ما يساعدها على ترميم جسدها وعوقها وفقدها، بما فيه الفقد الإيروسي، عبر استدعاء شخصية يونس القلقة، وعبر استدعاء شخصية طبيبها النفسي «كيوم فيليب»، الذي يحرضها غيابه على الاستغراق في تمثيل وجوده، عبر لوحتها عن الغائب «عوليس» في الأسطورة الإغريقية، حيث تعيش معها اللعبة الشهوانية لانتظار «بينلوب» في المكان الأسطوري ايثاكا.
الجسد والهوية والسرد المراوغ
الجسد الوطني والآخر الفرنسي ثنائية ملتبسة، تقترح لها عالية ممدوح سردية مراوغة، ليست بعيدة عن ثيمة الغياب، إذ تنخرط في علاقات شائهة، يشتبك فيها البحث عن الذات، بالبحث عن الإشباع، مثلما تشتبك فيها شيفرة المدينة المغيبة، بالشخصية الغائبة، وبما يجعلهما أكثر عرضة للتحولات الفارقة، ولما تساقط من «الزمن السياسي» وإسقاطاته الأيديولوجية، حيث طرد «الآباء اليسوعيين»، وحيث تقويض هوية المدينة/ المكان البورجوازي، وحيث التشظي الذي تعرضت له شخصيات الرواية، والذي دفعها إلى التشظي بين النفي والنكوص الداخلي، وبين النفي الخارجي/ الاختفاء كالذي عاشته عفاف..
هذا النفي هو القناع السردي للغياب، وللسحق السياسي، الذي عاش تداعياته المكان العراقي، والذي يحمل معه تورية لتمثيل الانسحاق الذي عاشته النخب العراقية، والطبقة البورجوازية البغدادية في شارع التانكي، الذي جعلها أكثر نكوصا عبر انسحاقات موازية، تحولت إلى ما يشبه الاغتراب الوجودي والنفسي والجنسي والثقافي، كالذي تورطت به شخصياتها.. تحضر الشخصية النوستالجية في الرواية بوصفها شخصية سلبية، فبقدر ما هي شخصية «لا منتمية»، إلا أن الروائية جعلتها تعيش انغماسها الروحي، من خلال البحث عن الغائب، بما فيه غياب الحب والمكان، حيث يتحول التعويض والإشباع إلى خيارات صعبة، تتوزع بين الانشداد إلى الجمال البصري/ النحت، العمار، والحنين إلى الجمال الصوتي في الشعر والموشحات الأندلسية، وهو ما يقابل نكوصها الوجودي في الواقع، حيث الرغبة المازوخية بانتهاك الجسد، وحيث تحويل الحنين إلى الجسد/ الجنس إلى ما يشبه الحنين الطبقي، الحنين الذي بدا واضحا من توظيف سردية «الألبوم» الذي تبأرت عبره أحداث الرواية، على مستوى التعريف بشخصيات عائلة أيوب البغدادية، أو على مستوى توصيف معاناتها وتشظيها، جرّاء فقدها الطبقي في المكان السيميائي، وتصدّع نظامها الاجتماعي والعائلي، لتبدو لعبة الانسلال السردي من ذلك «الألبوم» وكأنه هروب من «المجال» وترميز موازٍ للتشظي الطبقي والثقافي، الذي عاشه العراقيون بعد عام 1968 وما تلاه من «الحروب الداخلية والانقلابات والصراعات والمصائب والمذابح».
التفاهة وسردية متاهة
الانسلال أو الهروب من الألبوم لا يعدو أن يكون تمثيلا لسرديات المفارقة، ولتتبع حركات الشخصيات، عبر الأمكنة، وعبر التقاطع مع الزمن العراقي، حتى يبدو ذلك الانسلال من الواقع إلى المنفى وكأنه تمثيل رمزي لانسلال مجموعة مثقفين، جعلت منهم الروائية قناعا للحالة العراقية، في تمثيل تشوهات الهوية، وفي تمثيل تحولات سيرة العراق السياسي، حتى بدت مصائر شخصياتها قرينة بتمثيل مصير العراق ذاته، المصير الذي ارتبط بالانقلابات العسكرية، وبالسحق الأيديولوجي، والاغتراب الطبقي، وعلى نحو جعل من التشظي والطرد، ومن تقوّض المكان، مقابلا سرديا للهروب إلى الآخر، أو من «الألبوم» وتمثيلا للبحث عن الذات، والتماهي مع «سحرية واقعية» اقترن بالوجود المتخيل للمكعب/ في شارع التانكي» بوصفه نظيرا لليوتوبيا المتخيلة، التي ظلت عالقة بالسيرة النوستالجية لشخصية عفاف، وهي تتخيل خلاصها، وشغفها ببطلها العوليسي بوصفه انموذجا للبطل النوستالجي..
إخضاع العلاقة مع الآخر إلى معالجة سردية ليس بعيدا عن معالجة الروائية لمحنة بطلتها، إذ جعلت وجودها المضطرب قريبا من فكرة المتاهة، حيث تساكن نكوصها الداخلي، وغرائبية أوهامها، وإحساسها بالموت الرمزي الذي تحول إلى اختفاء، وإلى صراعٍ عميق لم تتخلص من هواجسه وأعبائه، ومن ثقله الوجودي، فقولها للدكتور أنطوان يكشف عن تعقيدات أزمتها وعن حمولات أسئلتها الثقافية والوجودية الفارقة « أعضاؤنا تصل نهاية الخدمة دكتور… وأنا لا أعرف بالضبط أيها أنجز مهمته أسرع؛ المرض الإفرنجي، أم الداء البلدي؟»، يعكس مدى غرائبية ذلك الصراع الذي عاشته، و»اللعنة» التي لم تفارقها حتى لحظات مكوثها في المستشفى.
كاتب عراقي