دنى غالي
انتهيت للتو من متابعة ندوة، عبر اليوتيوب بهدف إحياء التراث السردي العراقي، أقامها نادي السرد التابع لإتحاد الكتّاب والأدباء في العراق.
النشاط يُحسَب للإتحاد بحق، حين يخصّ الروائية العراقية عالية ممدوح باحتفائه – وهي ، وإذ تشكر الإتحاد للمبادرة تشعر بحالة استغراب، وكأنما تتساءل في تحيتها في مقدمة الندوة بتسجيل صوتي: ولكن لِمَ الآن؟ وتعني من دون شك بعد أربعين عاما من مغادرتها العراق- هي في الحقيقة قد استحقت الاحتفاء باليوبيل الذهبي بمناسبة مرور خمسين عاما مذ صدور أول كتاب لها ( المجموعة القصصية التي حملت عنوان إفتتاحية للضحك في العام 1973). وغريب كم هو الغلاف مطبوع في ذاكرتي منذ طفولتي، ومكانه على الرفّ في مكتبة البيت، وما هو مطبوع في ذاكرتي ورافقني لسنوات أيضا ذلك الجدار الأيديولوجي الذي كان يحوّطنا، في الفضاء الذي تحرّكنا فيه كعائلة. وما تبرزه الندوة التي أتحدث عنها هو جانب أيديولوجي آخر مزيف يفرض سلطته القامعة ويكشف عن مقاطعة العديد من الجامعات العراقية لمناقشة منتجها الأدبي “المنافي للسلامة الفكرية” الذي أسمته بعض الجهات الأكاديمية، كما جاء في المداخلة الملفتة للأستاذة حلا حمزة كاظم في الندوة، وهي الحاصلة على الدكتوراه في أطروحتها الموسومة (الرواية النسوية العراقية 2003-2018 دراسة ثقافية )، وهي ذاتها من اجترح العنوان حول إحراق عالية ممدوح، الذي يحيل إلى مطاردة الساحرات في أوروبا بين القرنيين الخامس عشر والسابع عشر. كانت النساء هن المستهدفات، يتم حرقهن بتهمة ممارسة السحر، بإشعال النار تحت أكوام الحطب علنا أمام الملأ، بينما يلقي رجال الدين خلالها الخطب عن الإيمان ووجوب محاربة الشيطان وتطهير المجتمع.
شغلت عالية ممدوح وظيفة رئيسة تحرير جريدة الراصد البغدادية الاسبوعية بين الفترة 1971 إلى 1982 .كما شغلت أمانة تحرير مجلة العلوم البيروتية 1973 ولعام واحد .كما شغلت مركز رئيسة تحرير مجلة الفكر المعاصر الفصلية بين 1973 إلى 1975 في بيروت .من ثم شغلت منصب مديرة مكتب مجلة شؤون فلسطينية في بغداد من العام 1980 إلى 1982 ، حين كانت المنظمة في تونس قبل مغادرتها العراق.
من بين العديد من رواياتها تعدُّ عالية ممدوح روايتها الغلامة، صدرت في العام 2000 عن دار الساقي، الأهم وتصنّفها رواية سياسية عراقية، لم يكن من السهل أن تكتبها، خشية منها على سلامة المقرّبين منها في العراق، حتى انها بعد صدور الرواية كانت قد طلبت منهم إعلان التبرؤ منها، إن صادف وحدث شيء ما، حينها كان النظام قائما كمسرح للرعب، والرواية تدين أكثر ما تدين الحرس القومي وحزب البعث. وقد كتبتها وهي في ذروة إيمانها بأن الكاتب يجب أن يكون له موقف ازاء ما يحدث.
ما القصد بتطهير المجتمع ومحاربة الشيطان بما يخصّ الكتابة لدينا الآن؟ أن نعيد كتابة الظاهر فقط من واقعنا، من دون استفزاز أو تحريض، أو كما تقول عالية ممدوح بلسانها : من دون أدنى كشف لذيل الثوب الذي يغطي قدمي المرأة.
مطاردة عالية ممدوح قائمة، هل لأنها شغلت منصبا في زمن البعث وستظل تُحاسَب عليه، رغم ما كتبته بعد مغادرتها، ورغم حياتها الحالية االمتقشفة وعيشها في “كشتبان” كما تطلق على شقتها الصغيرة في باريس، أم المطاردة لأنها تنطلق من الجسد في كتاباتها، وهو الأشد خشية من قبل السلطات الدينية والمجتمعية التي تراها أدبا إيروتيكيا أو إباحيا، ذلك أما عن عجز في القراءة وجهل صادم بالتحليل والترميز، أو بدافع التستر خلف أقنعة تخفي زيف طهرهم وتحكّمهم بحياة الفرد، وفرض إملائاتهم على المرأة. وكأن مجرد استخدام كلمة جسد تصبح مرادفا لإثارة الغرائز وحبّ الانتشار فحسب.
وإذا كان الممنوع هو جسد المرأة الذي تطلع منه عالية بكتاباتها، ما الذي يطلع من العالم بأكمله من دون هذا الجسد؟ يتم تهديد طالبة الدكتوراه بترقين قيد أطروحتها فيما لو استخدمت أدب عالية ممدوح. تمنع رواياتها في دول كالكويت، وبعض منها في دول الخليج الأخرى، ويقتصر توفر كتبها على نسخ ال pdf على المواقع الألكترونية.
كم يحتاج مجتمعنا بهشاشة خطابه الحالي إلى رجّات وموجات إقلاق لا تخلقها إلا الكتابة الصادمة التي تستفزه. وصلنا في تناقضات مجتمعنا ما بين ترهل فكري وأيديولوجيات خاوية وبين ثقافة رجولية تهيمن بانتصاراتها وتستعرض انسانيتها على صفحات التواصل الاجتماعي وتحرّم بالوقت عينه ذكر اسم الحبيبة أو الزوجة، لتغييبها تماما في العتمة بداعي القداسة والطهر.
…
في ندوة حضرتُها في كوبنهاجن، تحدثت الأستاذة الدنماركية لوزرا لونهولم ، من جامعة جنوب الدنمارك، الباحثة في تاريخ تاريخ السحرة والمحاكمات عن عدد من القضايا كانت المرأة فيها الضحية في الدنمارك وباقي دول أوروبا ، بزعم لعنتها التي شملت حتى ضعف الرجل الجنسي، ونفوذ النبلاء، غير أمراض المواشي، كوارث الطقس، وعقم المرأة .ذلك كان قبل 400 سنة مضت، حين كانت رائحة شواء لحم النساء تملأ الاجواء في المدن. كما ذكرت الباحثة بأنهم كانوا يفرضون على الأهالي دفع ثمن إقامة المتهمة تحت فترة التعذيب لحين الاعتراف، وثمن حرق الجثة أيضا. وقد اشتدت هيستيريا السلطة الملكية والكنسية بحرق الساحرات تحديدا إثر الخلافات المذهبية ما بينها، بحجة انتشار الرذيلة في المجتمع وضياعه، بغية السيطرة من قبل مختلف الاطراف على النفوذ وتخويف العامة.