ليلى والذئب – عالية ممدوح


في حمّى الإصدارات الجديدة التي تحتل واجهات المكتبات، وتحظى بحفاوة فورية، وتُكتب عنها مراجعات نقدية سريعة، نفتح هذه الصفحة للاحتفاء بالكتب الأولى لكتّاب
تكرّست تجاربهم وأسماؤهم، وباتت تفصلهم مسافة زمنية وإبداعية عن بواكيرهم التي كانت بمثابة بيان شخصي أول في الكتابة.
– 1 –
أنقذنا أنا وولدي أحد أعضاء «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وأوصلناه إلى حلق الطائرة الرابضة في مطار بيروت والمتوجهة إلى بغداد في ساعة متأخرة من الليل، وكان
ذلك في الثلث الأول من عام 1978. رائحة الحرب الأهلية كانت تسدّ مسامي وتفوح من بصيلات شعري. وصلت كالفحمة، بكماء ودون أي جواب، لكن، إذا لزم الأمر فلن
أفوّت علي استئناف الكلام بطريقتي الخاصة. المؤلفة من جانبها قد تدير بعض العمليات الحربية فتنسف قرية كاملة وتفني جميع سكانها في الجنوب اللبناني.
لم أقل برافو، لكني قلت إن اللا فلسطيني، ومن الناحية النظرية، لديه اختصاص في القضية الفلسطينية ما يعادل أصحاب الشأن وأحيانا أكثر حين كان النضال من أجلها في عزّ
التوهج النضالي العادل. كنت أريد الانضمام إلى ميراث هؤلاء والاستيلاء على أوراقهم وأرزاقهم وحيواتهم ولو عن طريق رواة عصاة ملاعين في نص روائي. هكذا فقست
بيوض أفكار روايتي الأولى «ليلى والذئب».
مأخوذةً كنتُ بصيرورات بشر وأصدقاء توافروا على تفوق الواجب، وبالتالي الشهادة في الجنوب. أجملهم كان إبراهيم زاير، الشاعر والتشكيلي والمنتحر في غفلة عن الجميع،
ربما، لكي يكون قادراً على تمديد العمل لشغف المقاومة. وقد دونت شهادة طويلة عنه نشرت في «مجلة الفكر المعاصر»، التي كنا نصدرها في بيروت. كانت رائحة النفط هي
الأكثر راديكالية بالنسبة إليّ كي تكون نقطة انطلاق في الرواية؛ كيف أعدّ فرقاً عربية، وإذا دخلها أجنبي يا حبّذا، وأعدها إعداداً متيناً لتقوم وفي يوم واحد، وساعة واحدة
بإشعال ونسف آبار النفط. كانت غواية الصحراء وهي تلتهب هي التي حددت لي الأفق الذي كنت أتحرك وسطه، وبلا حدود.
– 2 –
لن أنسى الغرام بالطبع. فالصحراء؛ العرق والرمال وجميع أبخرة الجسد البشري تستفز مخيلة أي كاتبة على وجه الأرض. قبل أن يُطلب مني كتابة هذه الشهادة عن البواكير،
كانت الرواية الأولى هذه التي أتحدث عنها هنا قد أدرجتها للغياب. كلا، لم أدمرها في رأسي، لكني لم أعد إليها إلا قبل أيام.
يهذا الكتاب هو الوحيد والأخير الذي جرت طباعته في بلدي وعلى حسابي الشخصي، وفي «مطبعة الحرية» الحكومية
بالغوا في الحلم
للوصول إلى الكمال في العمليات النضالية والغرامية، فلم يبلغوه ولم يخلفوا وراءهم إلا النقصان
ثمة خيط فاقع أسلمت له جلّ القيادة في الكتابة؛ الحشد الايديولوجي الطنان كأنه يتبجّح بالنقص الثوري، أو اصطناع بعض الأبطال. لم ينقذ صوت الشعارات والخطابات
الرواية من السقوط في كتابة الموضة النضالية الملتبسة والمفرطة في نبرها العالي. وقبل هذا وذاك، الغرق في توهمات، ما زلت أدفع ثمنها حتى لو أعدتُ تأهيل تلك الأوهام!
هذا الكتاب هو الوحيد والأخير الذي جرت طباعته في بلدي وعلى حسابي الشخصي، وفي «مطبعة الحرية» الحكومية. كان البلد تتقاذفه أمواج عاتية لانهيار «الجبهة
الوطنية» مع الشيوعيين. هنا يجب على المرء بعد التي واللُّتيا أن يتساءل: هل هناك صداقات حقيقية بين امرأة أو مجموعة نساء مع الرجال، وفي ظرف ديناميكي شديد
الالتهاب والحراك السياسي والثقافي والاجتماعي؟ هل تقدر المرأة الوحيدة بالمعنى الوجودي والمختلفة أن تشكل صيرورتها المضادة وللجميع وبضمنهم الزوج؟ فلا تقلد
نموذجاً ما، ولا تتطابق مع آخر؟ فالصداقة بالمعنى الإجرائي والأخلاقي هي اختيار خلاق يقوم به الكائن البشري ومن أجله وبالدرجة الأولى، فهل هي جزء من المطلق ولا
يجوز أن تنطلق من تأثيرات وتعقيدات السياسة التي عموم ارتكازها نسبي براغماتي وتلفيقي؟ لقد دفعت الأثمان كلها من الديوك الهِراتيّة ومن النساء وعلى حد سواء.
ـ 3 ـ
دارت مخطوطة الرواية على رقابات وزارة الإعلام وهذه لديها مركز إعلام أعلى، وفيما بعد عرفت تفاصيل غاية في الطرافة. النفط أمر خطير حتى لو كان في رواية. وأخيراً
صدرت عام 1981 وكان قد مضى عام على الحرب العراقية الإيرانية، وبعدما تقاذفها الرقباء والنقاد لشهور حتى استقرت بيد ناقد ومسؤول دبلوماسي يعمل في المملكة
المتحدة، وهو الذي أصدر الموافقة أخيراً. في تلك الأثناء كتبتُ للفنان الصديق ضياء العزاوي، الذي سبق أن أهداني غلافَي مجموعتيّ القصصيتين: «افتتاحية للضحك»، و
«هوامش إلى السيدة ب»، وكعادته معي كان سخياً فأرسل لوحة/ غلاف لرواية «ليلى والذئب». ولوحة غلاف لكتابٍ يحوي نصوصاً نُشرت في «ملحق النهار» و«
مواقف» و«الكرمل»، لم يصدر حتى اليوم. كان ضياء قد خط العنوان بيده: «خرائط على خطأ»، بالبني والأسود والأبيض. اليوم أرفعه وأضعه أمامي في شقتي، وأعلم أن
الخرائط أسرع منا نحن البشر في الانفجار في وجوه أصحاب البيت الواحد والمهاجرين العراة. «ليلى والذئب» لم تستهوني وأنا أعيد قراءتها. وجدت فيها جينات لما أنتجت
فيما بعد، وبرغم أن البعض من طلبة جامعة بغداد اشتغل عليها في رسائل الماجستير، وبرغم أنها وزعت وبيعت ونفدت أيضاً، وبرغم أنني أسخر من صوتها العالي وطبول
حربها المدوية، ومراكز الخيانة والغدر في ثياب ودماء بعض رجالها، لكنني أنتمي لزمنها ولارتيابها بالتاريخ، فهي كُتبت بضمير الغائب الذي واريتُه التراب كما شخصيات
الرواية، فلم أعد إلى هذا الضمير لأنني أتلعثم في اللغة أمام غياب الموتى وضمائرهم .
– 4 –
قبل أن أغادر العراق التقيت الشاعر اللبناني محمد العبد الله فسلّمته نسخة. في ما بعد، وبعد سنين حين التقيته بباريس قال لي؛ إنه كتب مقالاً جيداً عن الرواية، ربما في جريدة
«السفير»، لم أعد اتذكر. لم أفلح إلى اليوم في قراءته. أنا المؤلفة أعترض وأضيق ذرعاً بهذا الكتاب وأودّ لو أرميه في الموقد وأرى النار تشتعل فيه. بعض أبطاله، وأنا لا
أحب الأبطال، يعانون من روماتيزم فكري وروحي. بالغوا في الحلم للوصول إلى الكمال في العمليات النضالية والغرامية أيضاً، فلم يبلغوه ولم يخلفوا وراءهم إلا النقصان.
أذكر صديقتي الأثيرة الكاتبة العراقية بثينة الناصري حين قرأتها كتبت لي: «كانت قدمك الأولى في حقل نفط والثانية زلقة في ما دبرته من منعطفات غرامية خطيرة بين
الأشخاص. الصحراء تستكمل زينة الحب حتى لو ذهب العشاق لحتفهم فهذا منطق الأمور». أنا المؤلفة التي لم تقرأ مقالاً واحداً حتى لو كان سباباً وشتائم من العيار الثقيل
عنها، فهو الكتاب الذي يخيل لي أنه سلك طريقاً متعرجاً فلم يحفل به لا الضواري ولا الغرباء، لكن بسبب كل هذا الضنى عليه والضحك منه، أبقى في جهة الدفاع عن
الطرقات التي قطعتها، والفرائس التي استشهدتْ وكتبت عناوينهم على اللوائح، والعشاق الذين صاحبتهم طوال 265 صفحة. من جانب آخر، هي رواية بها جزء حميمي من
تخييلي وتاريخي ومأزقي في كتابه الذي لا أعرفه لكنني متعطشة لمعرفته، لكن ليس بهذه الطريقة المدججة بالايديولوجيا التي تقود العمل إلى اللا فنْ .

http://www.al-akhbar.com/node/218303