عالية ممدوح في أحد طوابق الستينات


د.لنا عبد الرحمن
21/09/2025
بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي، تختار الكاتبة العراقية عالية ممدوح المضي بعيدا مع كتابها “في أحد طوابق الستينات”، الصادر عن مطابع الأديب في عمان، والذي يُعتبر الجزء الثاني من كتاب “مصاحبات: قراءة في الهامش الإبداعي”، الذي صدر عام 1993 في الرباط. يجمع هذا الجزء بين صفحاته مجموعة من المقالات الصحفية، الحوارات، والنصوص النقدية التي نشرت ممدوح معظمها على مدى عقود طويلة، في صحيفة “الرياض” السعودية.
إنه عمل أدبي نقدي يعكس رؤية ممتدة وعميقة للأدب؛ وفي الوقت عينه يبدو من الصعب الإحاطة بكل أبعاده، لما فيه من تداخل فكري يعود إلى زمن يفيض عن ثلاثين عاما؛ جمعت فيه الكاتبة رؤيتها الشخصية والإبداعية، لمجموعة من الأعمال الأدبية لكتاب وكاتبات عرب وأجانب، تكشف من وجهة نظرها، عن دورهم المؤثر في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ذاكرة وذكرى
في مقدمة الكتاب، تُشير ممدوح إلى تأثير الكاتب الصحفي تركي السديري في مسيرتها الصحفية، تهدي إليه الكتاب قائلة بمودة بينة: “أكتب اسمه بدون تعسر، وأهدي له هذا الكتاب، إذ لولاه لما كتبت وما نشرت، ولما اشتغلت أكثر من ثلاثين عاما، بمعيته، وصحيفته وعائلته الكريمة. أغلب الظن، جميع ما أود تدوينه هنا لا يفي بالمطلوب، ولا يُعلن عن المعنى الضامن لسلوك وكرم وأريحية ونبل هذا السعودي العربي الأصيل. الأستاذ تركي متصالح مع نفسه، ولا يخشى في الحق لومة لائم، فلم يراجع أحد إلا وجدانه النظيف. كان وبقي وظل أخا ووالدا وصديقا، منذ بدء التعارف في باريس، في عام السقطة، واحتلال أول عاصمة عربية من قبل الدولة العبرية في حزيران 1982”.
يقدم الكتاب حمولة معرفية ثقيلة، مع اختيار غياب الترتيب الزمني أو الموضوعي في فصول، إذ اختارت صاحبة “الأجنبية”، أن تبني كتابها على فكرة كسر الحدود بين الفنون الإبداعية، تتداخل كتابتها عن الشعر مع الرواية، وفنون العمارة، والحوار ومقالة الاعتراف، إلى جانب المزاوجة بين الأدب العربي والغربي، تحضر هيلين سيكسو، في المقالة الأولى، تصفها بأنها “حارسة اللغة”؛ تؤكد أن الهمّ النسوي في الكتابة ليس هوية معزولة، بل بحثًا عن صلات مشتركة، هذه المقارنة تكشف عن رؤية للأدب باعتباره مغامرة وجودية تتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. تُبرز ممدوح الطابع الشعري والفلسفي في كتابات سيكسو، وتربطها بتجربتها الشخصية، خاصة في روايتها “المحبوبات” المُهداة إلى سيكسو. هنا تظهر تقاطعات الصداقة والكتابة.
يتداخل الذاتي مع الموضوعي في كتابة ممدوح، تحكي عن رفضها الكتابة عن الأصدقاء الذين رحلوا، تؤلف بين الذاكرة والمنفى والحنين الغائب في قلب النص النقدي. تستدعي تقنية الفلاش باك في مقالاتها، فتتحرك بسلاسة خطوات إلى الوراء، كي تستدعي ذكرى أو موقفًا حصل مع شخص ما، وتدمجه مع لحظة الكتابة الآنية.

بيوت الكتاب
لعل أبرز ما يميز مقالات هذا الكتاب هي رغبة الكاتبة في العثور على مسارها الصحيح، نحو بيوت هؤلاء الُكتاب الذين تطرق بابهم، لنقرأ ما تقوله في مقالتها عن الكاتب عيسى مخلوف: “يحب عيسى مخلوف والدته بطريقة تكلفني أنا شخصيا الكثير، وكأنه يذكرني بأن حبي لأمي لم يكن متقنا. شعرت بالغيرة منه، شعرت أن غيرتي هي أيضا شحيحة، وعلي القيام بتنميتها أكثر، فلا ابني أحبني كما هو يحب والدته، ولا أنا شعرت أنني أحببت ابني كما أمه أحبته، ما هذا الجنون ولماذا؟”.
تناقش ممدوح كتاب المغربي عبد الفتاح كيليطو ” أنبئوني بالرؤيا”، الذي يدور حول “ألف ليلة وليلة”. ترى فيه محاولة لإعادة اختراع الذات، مع تحليل عميق للشخصيات مثل شهرزاد وشهريار. وتصف الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد بأن “حياتها لُعنت كالعصاة المتوحدين، لكنها خُلدت كالأفذاذ أيضا”.

هوى بيروتي
من بين كل المُدن، تحضر بيروت، في أوجه متعددة، تبدو أكثر من مدينة؛ إنها فضاء مفتوح للحرية ومختبر للذاكرة. عاشت فيها وعايشت تحوّلاتها، فدخلت إلى كتاباتها بوصفها مكانًا يختزن الوجع والاحتمال معًا. في العديد من نصوص “في أحد طوابق الستينات”، تتردد بيروت كخلفية لأحداث كبرى، فهي المدينة التي ارتبطت معها ببداية النضال الفلسطيني، والمقاومة اللبنانية خلال عام 1982، عام اجتياح بيروت، لكنها أيضًا مدينة الألفة الثقافية التي جمعتها بأسماء بارزة في الأدب اللبناني. في قراءاتها لهم لا نجد مجرد نقد أدبي، بل نوعًا من الاحتفاء العاطفي، كأنها تعترف بأنها ترى في كتاباتهم مرآة لذاتها وتجاربها المنفية. بيروت هنا ليست مجرد مكان، بل هي شريكة في صياغة وعي فكري وسياسي للكاتبة، مدينة منحَتها بتدفق شرعية السؤال والكتابة والبحث عن حرية غير متشابهة.
لا تبتعد صاحبة “حبات النفتالين” أسلوبيا، عن تفضيلاتها الفنية في السرد، تكتب بأسلوب انفعالي متدفق، وفي الوقت عينه يُراعي الدقة النقدية، مع لغة مليئة بالاستعارات، كما في وصفها للشاعرة فوزية أبو خالد، تقول عنها بعذوبة: “بعض البشر لديهم العافية الروحية، يعمرون بها الكبد ويشفون الفؤاد”. هذا الأسلوب يجعل النقد حياً، يعكس تجربة الكاتبة كروائية. ومع ذلك، قد يبدو التداخل بين الشخصي والنقدي ملتحما بشدة أحياناً، مما يجعل بعض المقالات أقرب إلى الاعترافات.
يمكن التوقف أمام المقالة التي حملت عنوان الكتاب، والمنشورة في مجلة “الفراديس”، باريس، عام 1993، تبدو فيها عالية ممدوح شاهدة على عصر مضى، تتحدث عن ذاك الزمن وأبطاله المؤثرين، ترى أنها لا تخلط التواريخ ولا تختلق ساعات جديدة. فالساعة، في جوهرها، تقيس الأزمنة والأمكنة معًا. بين ما حدث عام 1967، وعام 1982، قامت مسافة فارقة ستؤثر على حيوات جيل كامل من العراقيين فيما بعد. ومن هناك بدأت سلسلة الانهيارات، وكأنها قد كُتبت سلفًا، أو أوصي بها من قبل قدر غامض. لقد كان ذلك الانفتاح على أحداث أخرى متوالية، جميع ما حدث بعدها لم يكن سوى استمرار لانكسارات متراكمة، تقول: “الستينات ليست هي السبت والاثنين، الأعياد والسجون، ولا هي الإسراف في النوستالجيا، لن نظفر بشيء، ولن نتوقف عن الدمدمة والهمهمة… لا يجوز النظرات الخاطفة إلى ذاك العالم، ولا يجوز بتر السرد…كم أود معاودة الحديث عن أولئك، شبان الستينات، في العراق، لأولئك الذين أحمل آثارهم في آثاري القليلة، وفي نمط تعبيري الشخصي، أولئك الذين انتدب بعضهم أن يكون جلادا بعد أن كان ضحية، يحمل النعش بيديه، لكنه يكلف الآخرين بدفن الميت”.
في كتابة ممدوح، نزعة عروبية واضحة، تظهر في احتفائها بالمبدعين العرب من المشرق إلى المغرب، وفي استعادة بيروت والعراق وفلسطين والقاهرة بوصفها فضاءات للذاكرة والهوية المشتركة. غير أن قيمة الكتاب لا تتوقف عند حدود العروبة وحدها، بل تمتد إلى رؤية فلسفية عميقة للأدب والحياة؛ رؤية ترى الكتابة باعتبارها فعل وجود، والنقد باعتباره مواجهة للزمن والانهيارات، وسعيًا دائمًا نحو الحرية. إنه نص يتجاوز أرشفة المقالات والحوارات ليغدو شهادة وجدانية ونقدية على زمن عربي مضطرب، كتبت فيه الكاتبة ذاتها بقدر ما كتبت عن الآخرين.
كل هذا لا يعني أن الكاتبة تضع الإيديولوجيا في مرتبة تتقدم على الإبداع، بل إنه في هذا الوقت، الذي تستمر فيه التحولات السياسية والثقافية في العالم العربي، يمكن اعتبار كتاب “في أحد طوابق الستينات”، رحلة فكرية وسياسية تجول من خلال المقالة والقصيدة والمنحوتة والرواية على كثير من المنعرجات والأحداث التي مرت على الوطن العربي، عبر استدعاء الذكريات، والقراءات، والأصدقاء، يحتاج هذا الكتاب من القارئ التمهل بقراءته واستيعابه، لأنه يدعو إلى الحفر عميقاً في الجذور الإبداعية في زمن التشظي الثقافي، كي يُمثل شهادة على قوة الكتابة في مواجهة المنفى والفقدان والزوال.

https://baladnews.com/81863