عالية ممدوح تستعيد زمنها الروائي في معرض أبوظبي للكتاب


الروائية العراقية تبتكر مصطلح ‘الطغاة الصغار’ وترفض سطوتهم على نصها الابداعي
ميدل ايست أونلاين
أبوظبي – رفضت الروائية العراقية المقيمة في باريس فكرة الانتقام من ما اسمته بـ “الطغاة الصغار” في نصها، او الوقوع تحت سطوة التاريخ الشخصي في كتاباتها.
وقالت في رد على سؤال لـ”ميدل ايست اونلاين” خلال الجلسة التي اقيمت لها ضمن فعاليات معرض أبوظبي للكتاب “الطغاة الصغار في اشارة الى الزوج أو الأم او الاخ مثلا قد يكون سبباً للهجرة ومغادرة البلاد” في اشارة الى مغادرة وطنها العراق منذ عام 1982.
واستعرضت في الندوة التي قدمها الناقد صالح هويدي مساء السبت ضمن نشاطات “مجلس الحوار” في معرض ابوظبي للكتاب بدورته الثانية والعشرين تجربتها في الكتابة ورحلة الاغتراب، مشيرة الى ان الوطن البديل منحها الكرامة.


وأكدت ان كل المدن التي مرت بها لها الفضل على تجربتها مثل بيروت والرباط ولندن واخيرا باريس، مؤكدة انها تصنع شخوص روايتها ممن تعيش معهم او تلتقيهم.
وصدرت لعالية ممدوح روايات عدة ترجمت الى عدد من اللغات منها “المحبوبات” و”الغلامة” و”حبات النفتالين” و”التشهي” و”غرام براغماتي”.
وقالت الكاتبة التي ترجمت اعمالها الى الانكليزية والفرنسية والاسبانية، ان امها مثلا توفيت عندما كان عمرها هي ثلاث سنوات، لكنها تظهر بقوة في روايتها بصورة الطاغية او الآمرة والناهية.
ورفضت ممدوح التي سبق وان فازت بجائزة نجيب محفوظ عن روايتها “المحبوبات” ان تكتب عن واقع “احتلال بلدها العراق” مؤكدة ان الشاهد الحقيقي هو العراقي الذي يعيش هناك، والمسافات المتباعدة لا تقرب الوجع.
وأكدت ان الاحتلال لم ينته، الجنود الاميركان غادروا البلاد لكنهم ثبتوا نظاما ودولة وأحزاباً صنعت من جوهر الاحتلال.
والرواية بحسب عالية ممدوح “محاولة كتابة تريد الوصول إلى اللحم الحي من الكلمات والسرد واساسيات الروح وأكوام لا تحصى من عبق ما كان يسمى وطنا”.
وتصف روايتها الأخيرة بالقول “هي رواية عن العلاقات الخفية للحدوس والمشاعر، للانخطافات والتلاطم ما بين الجسد، جسد المحبوب والمحبوبة، بين الثياب والأبدان، بدءا من أعلى زر في القميص إلى حرير البطانة، فنسمع أصوات العشاق وأصوات خلاياهم وهي تتكسر وتتجعد بين راحة اليد وهبوب الرغبة”.
وكان الناقد صالح هويدي قد استعرض في بداية الجلسة تجربة ممدوح الروائية، مركزا على انحيازها للمرأة وتقديمها الرجل بصورة المحطم او مجرد صوت في جهاز تسجيل كما في روايتها الاخيرة “غرام براغماتي”.
تقول عالية ممدوح عن هذه الرواية “في كل كتاب أحاول البحث عن مخرج ما، من المأزق الوجودي الذي نواجهه، فنتصور، وربما بلا تدقيق، ان الغرام هو أحد المخارج”.
وتضيف “من قبل، كنت أتصور ان الحب هو الذي يقوم بالترميمات المطلوبة للنفس البشرية، أما اليوم فغيابه يبطش بالكائنات كافة. نحن أمة تتحدث عن الحب بقدر ما تتحدث عن الدين، نكتب عنه أكثر مما نحياه فعلا، نخاف ونرتعب ان تقطع انفاسنا ونلتاع، فالوجع لا يلائم بعضنا، على الخصوص الرجال”.
وقدمت ممدوح في روايتها الجديدة “غرام براغماتي” الصادرة اخيرا عن دار الساقي في بيروت عملا ادبيا مختلفا عما قدمته في اعمالها السابقة.
فهي هذه المرة تبتعد عن بغداد لترويها من مكان آخر، من المغترب، وبطريقة تحاول ان تكون محايدة انطلاقا من الذكريات التي تجمعها بالاهل في تلك الديار.
وطيف بغداد يمر ناعما متواريا بعدما كان محورا في الاعمال السابقة.
تتقن عالية ممدوح لعبة التدقيق في العواطف وامتحانها لتأتي الرواية مصاغة بصوتين، صوت المرأة “راوية” والرجل “بحر”.
يتحول الحب وما يلازمه من طقوس مصاحبة الى نوع من ملجأ تهرب اليه راوية فرارا من الوحدة ومن خراب الذات والامكنة، يصبح الحب نوعا من الطلاء الذي يجدد المكان ويغلف باوعية حريرية تصدع الروح.
وكما حميمية المنزل الصغير الذي يجمع شؤون الحياة، ترصد ريشة عالية ممدوح حميمية اللقاء الذي لا يحصى فيه العمر وترسم فوق حيطانها في الوحدة بعض الكلام الجديد.
أما حين تخزن الصوت، صوت محبوبها، فكأنما تخزن العذوبة لتفر اليها من روتين الايام ومن عقم المشاعر المحددة، الصوت الذي يتحول الى مخدر: “صوتك كالمورفين لا يعالجني الا بالتكرار”.
تختبئ المرأة وراء آلة تسجيل الصوت تسمع صوته ولا ترد على هواتفه، تتعلق باحتمالات الصوت وتحلم وتعذب نفسها وتعذبه ويأتي هو الى باريس الى شارعها مرات ومرات يقف امام بابها ولا يدخل.
“غرام براغماتي” تحيل الى زمن خاص، زمن لا يصنعه الا التهاب الشوق بين حبيبين متباعدين فيختلف فيه الايقاع ويسرع النبض وتعاد فيه صياغة الاشياء كما الذات التي توضع في جردة حساب كلية.
كما يغدو الحب اداة لاعادة تشكيل المساحة واعادة تنظيم الوجود، بل هو اعادة هيكلة للامور واعادة ترتيب للاشياء وحتى الاعضاء بل هو عملية متكررة لاعادة النظر في التفاصيل العارمة حتى الغبار وحتى تسلل الذكريات.
وفي غمرة اغراء الانتظار وطمع التواصل لا احداث تمر لكن السرد يتعاقب ناقلا زخم المشاعر بما فيها من تبدل في المزاج ومن احباطات وحالات ترقب. لا شيء يحدث خارج حدود العلاقة التي تتسرب اليها في الغربة صور الام والاب في بغداد.
لا شيء يحدث خارج دائرة العلاقة التي تمارس عن بعد اثر لقاء تم بين راوية المغنية وبحر، نصف الشاعر ونصف المصور و”نصف العاشق”، هي المقيمة في باريس وهو المقيم في برايتون ببريطانيا.
تعيد سيرة الحب في “غرام براغماتي” تكوين الامكنة كما الذات على ضوء جديد.
وهي في جوانب منها عملية رد اعتبار للامكنة المهملة حين يكون المرء وحيدا.
تحاول راوية باستمرار ان ترمم منزلها كمن يرمم خرائط روحه والجسد استعدادا لاستقبال حبيب ما قد لا يأتي، لذلك “علينا اللهو قليلا باشيائنا العمومية قبل اللهو والاستمتاع بتخاطبنا الخاص والداخلي”.
فمن يحب في رواية عالية ممدوح يتحول الى مسكون عليه ان يعيد ترتيب الاشياء في ذاته ومن حوله ويبني تاريخا كاملا من الاحلام والتخيلات والوعود.
وتعيد رواية “الغلامة” للعراقية عالية ممدوح والتي صدرت بالفرنسية الى اجواء الحياة السياسية والاجتماعية في عراق الستينات على خلفية سيرة “صبيحة” الطالبة التي تعتقل وتعذب لارتباطها بعلاقة حب مع احد الشيوعيين في بغداد وتحديدا عقب الانقلاب العسكري العام 1963.
وقد صدرت هذه الرواية بالفرنسية عن دار “آكت سود” بترجمة وقعتها ستيفاني ديجول وغلاف تضمن صورة لياسمينة علوي وماركو غيرا أظهرت جسدا عاريا مزركشا بفن الارابيسك، ويحاكي عنوان “الغلامة” والذي تحول الى “غارسون” بالفرنسية.
وخرجت الرواية ضمن سلسلة الاعمال الروائية العربية التي تصدرها الدار تحت عنوان “مجموعة العالم العربي” ويشرف على اصدارها فاروق مردم بك.
وكانت هذه الرواية صدرت عن دار الساقي في بيروت عام 2000 واثار عنوانها ضجة وجدلا ثقافيا لكنها ما لبثت ان منعت في معظم البلدان العربية لما تحمله من جرأة في الطرح ومن طرق لمواضيع لا تزال تعتبر محرمات في العالم العربي.
واعتبرت عالية ممدوح ان الغلامة “عزيزة جدا علي ختمت بها مرحلة روائية كاملة بدأت مع (النفتالين) واستمرت مع (الولع) وهي ختام ثلاثية اختلفت في طبيعة كتابتها عما كتبته لاحقا”.
واضافت الكاتبة العراقية التي تقيم في باريس “بقيت ثلاثين سنة واصوات الجلادين واصوات الضحايا في ذلك السجن القريب من بيتنا في أذني، قبل ان اتمكن من كتابة الرواية”.
وتكتب الكاتبة الفرنسية هيلين سيكسوس بمناسبة صدور الرواية “الرواية أقوى منها (صبيحة)، ترميها في السجن، في مشفى المجانين وفي الجنان (لست انا، انها امرأة اخرى) تلك التي تروي، تروي عبر طاقات شعرية لا محدودة، المغامرات التي تعيشها بطلة تتحول، جاعلة من عراق الواقع في القرن الحادي والعشرين مسرحا لإنسانية مضحكة أكثر من كونها رائعة”. وكانت دار “آكت سود” نشرت سابقا اثنين من اعمال الكاتبة “النفتالين” و”الولع”.
وخصص معرض ابوظبي للكتاب بعد نهاية الجلسة الحوارية حفل توقيع لروايات الكاتبة عالية ممدوح الصادرة بالعربية والانكليزية والفرنسية.