صورة الجسد في (رواية التشهّي) لعالية ممدوح

أ.د بشرى موسى صالح

في روايات عالية ممدوح نلمس تحديًا للتابو الاجتماعي (الجنس)، ولكن هذا التحدّي لا يعد خروجًا أو مروقًا على هذا (التابو) يأتي بصيغة، أو صورة التمرّد المألوف، بل هو نوع من أنواع التعبير السيميائي عن نسوية ما بعد الحداثة. فإذا كانت النسوية الحداثية قد خاضت صراعات كبيرة في مواجهة الأدوار النسوية، ودكّ السلطة الذكورية المهيمنة التي يلعب فيها مفهوم المساواة دور البطل الأكبر نلحظ في هذه المرحلة (حلحلة) لهذا المفهوم؛ لأنّ الفضاء ما بعد الحداثي ماعاد يعترف بالحدود ولا يجد غضاضة في أن تتداخل المسمّيات، والأنواع، والأجناس، في إنكار قصدي لفكرة الحياد، أو البياض، أو النقاء الإجناسي.
ولعلّ الجسد هو واحد من الرهانات التي كانت مسرحًا لرؤى النسوية ما بعد الحداثية ما بين ثائر على استهلاك جسد المرأة في الدعاية لمبيد حشري، وبين ثائر على الجسد المضطهد الذي تُسقط عليه الهيمنة الذكورية أدوراها القمعية. وكان على النسوية ما بعد الحداثية تفكيك هذا التصوّر، وجعل الجسد ذاتًا فاعلة محاربة للتصوّرات التقليدية؛ فصار الجسد بناء لغويًا خطابيًا مْنتجًا للمعرفة، والوعي والإبداع.
وضمن هذا التمرّكز ما بعد الحداثي انتمى الجسد إلى فكر ما بعد الحداثة في إنكار الواحدية، والهوية (الأنثوية) النمطية الثابتة، فانفتح على التعدّد، والتشظي، وما عاد الجسد موضوعًا للرغبة، بل أصبح فاعلاً سرديًا. صارت (الغواية) فعلاً مهينًا للجسد، وما عادت موضوعا لنظر الآخر ضمن الفكر النسوي، وظهرت الكتابة موازية للجسد. بل هي فعل جسدي، وتمثيل له، فيها: الألم، واللذة، والشباب، والشيخوخة، والوطن، والمنفى؛ فتحوّلت سرديات الرغبة إلى سرديات العقل. وبدت اللغة الأنثوية مفارقة (لغنجها)، وإغوائها، فهي لغة لا تصف الجسد حسب بل تكتب من خلاله. وبوساطته؛ فالكتابة نفسها (فعل جسدي).
في روايات عالية ممدوح، ولاسيّما (غرام براغماتي) و(التشهي)، تبدو البؤرة الاستعارية التصويرية المهيمنة هي (صورة الجسد) الذي يتحوّل إلى (أرشيف ذاكراتي)، فلا يعد موضوعًا سرديًا.

2

وعلى الرغم من أنه يبدو كذلك في رواية (التشهي) إلّا أنّ المنظور الضمني المهيمن على الرواية هو (الجسد الرؤيوي) الذي من خلاله، وبوساطته تتعدّد الرؤى ثم تعود لتلتحم به. فكأنه يعادل الوطن، وذاكرة الوطن، فالوطن جسد، يمثّل الوجود والكينونة، فما تعجز الذاكرة التاريخية على استعادته يستعيده الجسد، وما لا تحتويه الأزمنة من أحداث يكون الجسد شاهدًا عليه، وما لا تستوعبه الأمكنة من موجودات تحتفظ الحواس به.
وبذلك يكون الجسد وطنًا مْضاعًا، واللذّة محاولة لاسترجاعه. ويمكننا تصنيف الجسد إلى ثلاثة سياقات في الرواية: السياق الحسّي الخارجي وفيه الأطعمة، والروائح، والملموسات، ويشيع في الرواية، والسياق النفسي حيث جسد الحنين، والفقد، والانكسار، والسياق اللغوي متمثّلاً بالكتابة بوصفها شكلاً موازيًا للتشهي، وبديلاً له.
ولعلّ الصورة الأكثر هيمنة في الرواية هي صورة (الجسد المتشظي) فهو ضامر، مندحر، ناقص، غيرمكتمل، متكسّر… وهو في تشظّيه يعاني من الضياع، والذهاب، والزوال، والتداعي، والانهيار، فهو اللاوعي الجسدي بكل مكبوتاته التي هي الأقرب إلى الاستبطان منها إلى الظهور، أو الحضور الجسدي. وضمن المنظور النسوي تقدّم (التشهي) صورة للأنثى الكاتبة، وليست الأنثى الجسد، أو الثيمة، أو الموضوع؛ فالأنثى في التشهي تكتب من جسدها لتسخر منه، بل هي تكتب جسدها عبر اللغة، وهي لا تحتفي باللذّة كما يوحي العنوان، بل تفكّكها لتثبت هشاشتها، وقلقها. ويمكننا أن نعدّ الصورة المتشظية هي الصورة الأكثر هيمنة في الرواية، فتظهر في منظوراتها متصفة بالنقص، والتكسر، وعدم الاكتمال، فهي تتشظى، وتتوزّع في شذرات وصفية، وبوح اعترافي، فهي صورة غير خطية، ولا متكاملة، بعيدة عن السرد الحبكي، والسببي، بما يجعلها تنتظم ضمن ما يْعرف بـ (اللاوعي الجسدي)، فهي تهويمات تتداعى في الذاكرة النسوية.
ولا يعد هذا السياق التصويري خللاً بنائيًا، بل هو نزوع جمالي، يهدف إلى خلق التوازن بين الوعي الحائر، المتذبذب، والجسد غير المتصالح مع ذاته، أو واقعه الاضطراري، والآخر الواثق المطمئن. هذا التشظي أو(صورة التشظي) تريد أن تجعل من الجسد وطنًا بديلاً، فحين يغيب الوطن، تْعاد صياغته، ويُقاوم نفيه: " إنّ أعضاءنا لاتموت، أو تختفي، إنّها تتحوّل، والتحوّل هنا أيضًا ليس دقيقًا، لكنّها الكلمة الأقرب" الرواية.

3

وترتبط (الصورة المتشظية) هنا بالجسد وتكويناته: فأعضاء الجسد (لا تموت ولا تختفي) بل تتحوّل في دلالة واضحة على مقاومة الفناء والموت، ويرتبط البقاء هنا، أو رفض التلاشي بفكرة التحوّل، وهي صورة لا تمتلك دلالة حسيّة محددّة واقعية، بل أن دلالتها رمزية؛ إذا ما عددنا الجسد هو تكوين استعاري معادل للوطن، فيكون التحوّل هو الجسد البديل، أو بعبارة أخرى الوطن البديل الذي يمثّله المنفى.
وتبدو أفعال اللذّة، والتشهي، ومنه عنوان الرواية، هي مقابلات تصويرية استعارية لفعل الامتلاك، أو فاعلية الامتلاك فكأنّ امتلاك الجسد هو امتلاك للوطن المُضاع. أو الوطن المُباح ( العراق) وطن الساردة.
ويبدو الفعل الجنسي هو المعادل التصويري، والعمود السردي الذي تقام عليه معمارية الرواية، ولكنّ هذا الفعل لا يكون (ممارسة ايروسية) كما يبدو من ظاهر الرواية، ومتنها الحكائي بل هو نوع من أنواع التقنّع النسوي الذي يكسر (تابو الجنس) عبر هذه الجرأة، والبوح النادر في رواية كتبتها امرأة، فالدلالة النسوية المضمرة مغايرة تمامًا لهذا الظاهر، أو لهذا الجسد المكشوف، فتحوّل الجسد إلى كتابة، ولغة تعبير، أخرجته عن دلالاته النسائية التداولية. فدخل في سياقات متعدّدة ومتشظية: "آه يا سرمد، الجنس معك يشبه التحريض ضد كل شيء، كلا ليس هو الثورة أو التمرّد كما تقولون في السياسة، الجنس معك يتبدّل، ويتقلّب من حال إلى حال، فيجعل أشيائي الصغيرة في داخلي تنتقل من مكانها، تعرف أشتهي أن أكون منحرفة بطريقة من الطرق، أعني الجنس يظل أمرًا مفتوحًا على الدوام،
يتغيّر في كل لحظة، يصير أنواعًا وأنواعًا، ولا تكفيه التأطيرات، والتبريرات، أوالتعابير الشعرية" الرواية في هذا المقتبس الذي يرد على لسان (كيتا) إحدى شخصيات الرواية يتم نفي الثورة والتمرّد (ليس هو الثورة والتمرّد) وهو نفي بمعنى الإثبات؛ فالجنس في الرواية هو الثورة وهو التمرّد، وإذا ما عددنا الجسد مرادفًا للوطن تنتظم الدلالة في تشهي الثورة، والانحراف عن الطرق المألوفة (يظل أمرًا مفتوحًا على الدوام… يتغيّر في كل ثانية) وصولاً إلى الجسد الحر، أو الوطن الحر، الذي يمتلك طاقة التحوّل (يصير أنواعًا وأنواعًا)، ويثور على الأطر، والحواجز، والمصدّات (لا
تكفيه التأطيرات، والتنظيرات، بل لا تكفيه التعبيرات الشعرية).
والتشهي ليس شغفًا مجرّدًا بالجنس، بل هو الشغف بالحياة، وبالتغيير، وتشهّي الامتلاك الواقعي، والتعويض الوجودي لكل المفقودات وأولها الوطن.

تفكيك الصورة الأنثوية:

4

في التشهي تنحسر صورة (الأنثى) الراغبة، أو الصورة الأنثوية فتميل الرواية إلى تعريتها عمدًا للوصول إلى مواجهتها بأسلحتها المألوفة، وأبرزها الجسد فهي بتفكيك صورة الجسد الأنثوية تفكّك صورة الأنثى نفسها كي تكون واعية بجسدها بالقدر الذي يجعلها غير مطمئنة إليه، وبدا السبيل إلى ذلك هو في تقديم الخطاب النسوي القائم على تفكيك الصورة الأنثوية الثابتة والجاهزة.
وتبدو الصورة مركّبة، تستلزم وعيًا مركبًا يقاوم الاختزال ويعيد تعريف  الجسد، وتحديده بوصفه مساحة عقلية لا حسيّة، ومنطقة شك، لا منطقة يقين.
هذه النواة الكبرى المهيمنة على الرواية هي التي انتجت صورة (التشهي) التي أجهزت على فاعلية الجسد الحقيقية المنتجة والفاعلة لتتحوّل هذه الصورة إلى:
– صورة جسدية – استرجاعية.
– صورة متعدّدة – متحوّلة.
– صورة كتابية – لا حسيّة.
– صورة منتجة – لا استهلاكية.
– صورة استعارية كبرى – صورة الجسد المنفي أو الوطن البديل. "لا أحتمل سخريتك يا سرمد.. إنّني أراقب النساء، كما تعاقب المدّ والجزر، فأكتفي بذلك ولا أعود أريد شيئًا منهن بعد ذلك.. تمامًا أحترق وأصير رمادًا، وأعرف أنّ المرأة بعيدة، ومتعذّرة. كلا ليست مستحيلة، لكنّني لا أستطيع أن أعرفها، روزالين كما فيونا هي التشهي الوحشي والمدمّر" الرواية في هذا النص الذي يصدر عن امرأة، تبدو المشاركة واضحة مع الرأي الذكوري متمثلاً بسرمد، ويبدو واضحًا هذه الرغبة في قهر المفهوم الأحادي للجسد المادي (روزالين وفيونا)، وقهر الحيف الذي يْلحقه التشهي المادي بالجسد الأنثوي، وكيف يصادر عقله ووعيه (المرأة بعيدة ومتعذّرة، ولكنها ليست مستحيلة)، ولعلّ وصف التشهي (بالوحشي والمدمّر) ما يؤكد حتمًا رفضه حين يعني الامتلاك الوحشي للجسد، واحتلال عقله. في الرواية نسمع صوت الجسد عاليًا فما عاد صوته خافتًا مقموعًا، بل أصبح هو اللغة، وهو الكتابة، مما أفضى إلى تفكيك البنية التقليدية التي أحاطت بالجسد الأنثوي في الثقافة العربية، ليتحوّل من هويته الغرائزية القديمة إلى أداة وعي ومعرفة، تصب فيه أسئلة المنفى، والكتابة، والسلم، والحرب، والهوية. وفي الإطار التصنيفي للصورة السردية نلحظ في (التشهي) إنتاج نمط كتابي نسوي تحريضي يجد في الجرأة ضربًا من ضروب الثورة النسوية غير

5

الراغبة في خوض معركة المساواة بل تصعيد خطاب نسوي مغاير هو خطاب الاختلاف؛ فالتشهي مختلف، والجسد مغاير، والكتابة مكان للكينونة، مما يرسخ خطاب هوياتي فاعل، يعمل عبر تجسيد فاعلية الجسد (بالتشهي) إلى نفيهومصادرته.
وتصبح المرأة مصدرًا للمعرفة، والإنسانية، بل يْفهم معنى الرجولة عبر جسدها، أو كينونتها، وعلى لسان نسيم وهو إحدى شخصيات الرواية يرد البوح الآتي: "جميع ما تعلمته في حياتي تعلمته من النساء، في حضرتهن تكتمل إنسانيتي ورجولتي… أنت أجمل وأهم من تعرفت إليهن في حياتي.. لكن.." الرواية هذه الصياغة لمنظور الاكتمال تعني اعترافًا بالنقص الذكوري الذي يكتمل عبر المرأة، لتكون شريكًا في المعرفة، والوجود، والكينونة، والتماسك. هذا التمركز النسوي في الرواية يحوّل دلالة (التشهّي)، والصورة المعبّرة عنه من دلالته الغرائزية (الايروسية) إلى نمط مغاير من التشهّي غير المادي (العقلي) أو المعرفي، أو الوجودي، أو الكتابي.. إلخ.
ولا تقدّم الرواية نمطًا واحدًا من النساء بل هي عبر عرضها لأنماط منهنّ تصنّف المرأة بل الجسد ذاته إلى نمطين أو جسدين هما: (الجسد الأنثوي) المرتبط بالتشهي الايروسي، وهو جسد تعمل الرواية إلى نفيه، وتبديده، أو إذابته في الصنف الثاني وهو الجسد النسوي، أو الجسد المعرفي أو الكتابي الذي لا يتم تصويره عبر الوصف الحسّي المباشر، بل عبر اللغة النسوية الساردة. أو اللغة الداخلية المضمرة،
وارتدادات الذاكرة واسترجاعاتها. في الرواية صور للتشهّي مرّ ذكر قسم منها: يتحوّل فيها الجسد إلى مساحة ناطقة رمزية، لا تُقرأ ظاهرة، بل لا بدّ من تفكيك علاماتها، وتأويلها للتوصل إلى دلالاتها.
هذا الاستغراق في صورة الجسد، وفاعلية التشهّي يوصلنا إلى الصورة_ الجسدية المتشظية؛ التي تقوّض عبر التعبير، والتصوير الجسدي الضمنية، سلطة الجسد الفاتن. أو الجسد (الشبق)؛ لتكون الرغبة سؤالاً مفتوحًا على المطلق، سؤالاً وجوديًا، يعبّر عن دلالات الحيرة، والقلق، والاشباع، والكبت، في تداع حر، يهدف إلى حلحلة مركزية الجسد الأنثوي الواحد، وإعادة قراءته نسوية. وتبدو صورة التشهي المتشظية متعدّدة المراكز، فهي لا توظّف تقنية الراوي العليم في تصوير الوعي النسوي المأزوم، بل تمنح الذات المتكلمة دورها الكامل في تسطير الخطاب النسوي بما يعني إزاحة المركزية الذكورية للمعنى.

6

لتكون الصورة النسوية صورة نابعة من الذات النسوية، وليست صورة صادرة من سلطة الآخر، ولا سيّما السلطة الذكورية، وهي بذلك، وعبر الصورة الذاتية تمارس نقدًا ذاتيًا للمرأة، وخطابها الجسدي، والعقلي، والمعرفي، ولا تقدّم منظورًا مثاليًا لا ينبع من الواقع، فهي تعيد إنتاج الوعي الأنثوي بماهيته الماضوية، أو التقليدية؛ لتجعله يراجع هذا الوعي، ويْعيد النظر فيه، تجعله يفكّر، وينقد، ويستعيد، ويتشظّى. وتبدو العلاقة بين الرجل والمرأة في (التشهّي) هي الصورة الناطقة بتحوّل النظرة إلى الجسد، وكيفية التعاطي معه، كيف يكون الجسد مكانًا للرغبة، والتشهي الحسّي الأنثوي المجرّد وكيف يكون أو يتحوّل إلى مدار (للمتعة)، والمتعة غير اللذّة؛ فهي صورة متكاملة للاشتباك بين الحسّي والعقل؛ فالمتعة إحساس عقلي قد يبدأ من الجسد لكنّه لا ينتهي به.
وتكشف الرواية عن حدود هذه العلاقة التي كانت غائبة في المأثورات السردية الماضية، أو السرديات الغابرة، فعلى لسان (كيتا) وهي إحدى شخصيات الرواية نقرا: "قل لي هل تعرف المرأة حقًا كما تدّعي؟ هل تعرّفت عليها فعلاً؟ الفراش مكان نموذجي للاثنين سويًا لكن، انتبه قد تغشّك، وتسخر منك بمقدورها أن تشوّهك، وتضحك عليك وإذا عوملت برياء وزيف فستصير أنت مبعثًا للفشل، والهزء' الرواية في صورة التشهي هذه إفصاح عن الصورة (النسوية) القادرة على تحويل الفراش إلى مكان للصراع بين الصدق والكذب، أو بين الواقع والخيال.. (قد تغشك وتسخر منك) وبين الخذلان والانتصار(تشوهك، وتضحك عليك)؛ فالرغبة النسوية تصبح مدارًا، للقلق، والتشظي، وعدم التثبت لأن اليقين وهم وظلال؛ فالمنظور الرغبوي المجرّد ما عاد محورًا للوعي النسوي المتوتّر، والمتوثب، والمتسائل، والمشكّك، الذي لا يقبل بتقديم تجربته على وفق السطح الظاهر، أو المعطى الحسّي المجرّد.
في المنظور النسوي يأخذ التشهّي مساحة عقلية كبرى كي يخرج من عنق زجاجة المنظور الاحادي، فيعمل على فلسفة الرؤى، وإنطاق الجسد ليقدّم خطابًا مغايرًا لمألوفاته الأنثوية التي لقّنها إياها الرجل بل إنّ الرجل ذاته قد استعار الموضوع النسوي، وصار يتحدث بلغته: "فلماذا فكّرت أنّ الايروسية عندما سمعتها أول امرأة من بين شفتيها هي شيء مموّه، ما بين الفراق والاتحاد، وأنها سوف تنقذني من أشياء لا أعرف ما هي، لكنّها موجودة وتلحّ علي، ربما هي الطاقة الهائلة التي لدي، ولا أدري كيفية الاحتفاظ بها، أو ماذا أفعل لكي أحسن تصريفها كما أفعل وفعلت مع فيونا" الرواية

7

في هذا المقتبس نلمس حيرة الرجل، وشكوكه حول مفهوم (الايروسية)، أو التشهّي بمعناه الحسّي التداولي، هذه التعدّدية في الدلالة والحيرة بشأنها تعني اقترابًا
من النسوية، حين تشكّك، ما لم تنف المفهوم الايروسي التقليدي لها، حين صار(التشهي) مفهومًا مركّبًا، (شيء مموّه بين الفراق والاتحاد)، بين الدلالة الحسيّة المادية (الاتحاد)، والدلالة العقلية (الفراق_ والطاقة الهائلة)، التي لا يستطيع الجسد تطويقها أو إسكانها في فضائه المحدود.
وهكذا تتعدّد وسائط البوح الصادرة عن الرجل، أو المرأة في الرواية بدلالات التشهّي، وتشظي مفهوماته، ولكنها تتوحّد في إعادة النظر في صياغة مفهوم الجسد الأنثوي خارج التصورت الأنثوية، أو(الذكورية) بالمعنى الضمني، فلا يكون الجسد مسرحًا للتشهّي المادي أو البايولوجي، بل يتحوّل إلى فعل لغوي، ومسرح مقاومة للإقصاء، والرغبة والتهميش.

الرغبة – اللذة – المتعة
تقدّم رواية التشهّي إعادة صياغة للصور التداولية النمطية المألوفة والتقليدية لعلاقة المرأة بالرجل؛ فهي وعلى طول مساحتها السردية وعرضها لم تسوق للتشهّي أو للجسد الايروسي كما يبدو ظاهرًا بل كانت تقدّم الأسئلة المتراكمة والمتراكبة عن مفهومه عبر تفكيك صورته السردية. قدّمت الرواية صورة غير احتفائية بالرغبة الموازية للذّة المادية، بل لتلك الموازية للمتعة (العقلية-الحسية) التي تجعل من الجسد، والعلاقة معه منطقة شك،
ومراوغة، ومراوحة، تزيح المركزية الذكورية لدلالة الجسد الأنثوي، وتعميق الصورة (النسوية) له، بوصفها صورة قلقة، لكائن متوثّب، يعيش الحيرة، بين الخذلان والانتصار، والمركز، والهامش، والفقد، والاستعادة.
هي صورة نسوية مركّبة قدّمتها الرواية، وأعادت عبرها صياغة الخطاب النسوي ليتجاوز ذاته، بعيدًا عن فكرة المساواة وقريبًا من فكرة المشاركة القائمة على الاختلاف، فهي ليست احتجاجًا ايدلوجيًا مباشرًا بشأن الحقوق والواجبات الممنوعة للمرأة، فتلك منطقة قانونية تجاوزتها النسويات.
الرواية قدّمت (النسوية السردية) أو الساردة، وهي نسوية ثقافية لسانية وجودية، صانعة، تقوم على التفكيك. والمساءلة. ومن ثمّ التأويل، من داخل الجسد ذاته، وعبر فاعلية (التشهّي)، بما يمثّل تحديًا من داخل التجربة، لا من خارجها أو من داخل الجسد لا من خارجه.
وبذلك يكون (التشهّي) صورة نسوية ساردة لوعي الجسد بذاته.