عالية ممدوح… خلوة كاملة للنّقص

في «خلوة النّقص» (دار الآداب)، تحوّل الكاتبة العراقية عالية ممدوح المرض والمنفى والخذلان إلى مادّة سرديّة كثيفة تتأمّل الجسد والذاكرة والموت. رواية تكتب النقص بوصفه شكلاً من أشكال الاكتمال، وتحوّل الهشاشة الشخصيّة إلى لغةٍ أدبيّة تواجه الفقد، والعزلة، وأفول الحياة، من بغداد إلى باريس

هذه سرديّة تحيي النقصان المشغول بملاحظة الكمال. النقصان الذي يفيض عن حاجة التمام إلى الامتلاء. تدلق عالية ممدوح في روايتها الجديدة «خلوة النّقص» (دار الآداب) دلو المرضِ على حروفها وعلى بياض ورقها وعلى قرّائها. دلو من الفضّة اللامعةِ هو غنيمتها الوحيدة التي ترشحُ ببغداد البعيدة. بغداد التي ما زال مذاقها منقوشاً على وجه بائع الشاي الذي كان آخر وجهٍ أليف ودّعته عالية الشابّة في شركة «نيرن» واعتبرته منذ تلك اللحظة «كلّ عائلتها». وهي بغداد التي استعادت طريقها إليها عندما سلك «البنج الطريق العام ما بين بغداد ـ دمشق ـ بيروت» في عروق يديها الخضراء البارزة!

لقد طار بها بساط الذكرى العتيقة إلى رحلة القطار التي أسرت بها من حضنِ الجدّة ومسبحتها ومن جديلتها المغبرّة بلون الشيب ومن يدها التي «تضيق ذرعاً بصوت الملعقة ونحن نحرّكها في القدح» ومن رائحة البيت الدافئة إلى معراج المنفى البارد. ما زالت بهارات البيت العراقي تخنق أنف عالية بالحنين تارة وبالخيبة طوراً. لقد دسّت هذه الخلوة مذاق البهارات كما مذاق المنفى في حلق كلّ قارئ غلّقت الخلوة وراءه الأبواب، تماماً كما راودت عالية الموت الذي هو في بيتها: «فراودته عن نفسي من يوم ليوم» خلال رحلة مرضها الطويل والمريرة.

هلال النّقص وخلوة حتّى مطلع الفجر

ليس المرض على قسوتهِ بخيلاً، وتلك من هباته الشحيحة على السرد! فقد أهدى عاليةً خلوة قابلة للكتابة. خلوة تمكّنها أن تتعرّى داخلها من كلّ ما يحرجها، فتلتقي بمن اشتاقت ذاكرتها إليهم بلا مواربة: صوت الجدّة وسورة الحاقّة وغيرة العمّة ونمش الأمّ الذي رأته في جارها «مسيو تيري». لقد كافأها المنفى على صبرها وعلى اجترارها خيباتها المتعاقبة على جسمها النحيل «مثل هلال العيد» بأن أعاد إليها شيئاً من «ريح» أمّها في نمش جارها. جارٌ بكته كما لم تبكِ أمّها. لقد «جزّ» المرض صوتها ـ كما كتبت في الصفحة السابعة والثلاثين ـ بيد أنّه لم يجتث يدها فجاءت الخلوة وحلّ النّقص. نقصٌ ضروري ليرى كلّ قارئ فيه صورة عن نرسيسه الخاصّ الذي يكتمل ولا ينقص بلا حاجة إلى أسطورة أو مرآةٍ.

إلياذة ناقصة من أجل خلوة كاملة

إنّها ملحمة سرديّة اعتصرها المرض الذي فتكَ بمفاصل جسد عالية قبل أن تسري العدوى في مفاصل لغتها وقبل أن تطمع عينا المرض اللامعتان مثل عيني ذئب جائع للفتكِ بروايتها. آثرت الكاتبة أن تقارع المرض من خلوتها وأن تنتصر للنصّ حتّى لو كلّفها ذلك نقصاناً أبدياً! أعني حتّى لو كلّفها ذلك حياتها كلّها. لقد رأت في شرف مقارعتهِ وموتها، ولادتها الجديدة الكاملة والأخيرة التي تنتظرها.

عَبَرت عالية قارّةً كاملة من الفوارق قبل أن تلجَ ساحة الخلوة: واضحة تنفض عنها أي غموضٍ. لقد جاءت في موعدها ـ هي التي عهدتُها دقيقة المواعيد ـ جلست في صدر الرواية ـ وجهها وضّاح وثغرها باسم ـ تعلن أنّها تستقبله «عند عتبة المتنِ» بل كانت واضحة في نديّة علاقتها به، إذ لم تنكث موعدها معه ولم تخفِ طمعها ـ طمعها السردي طبعاً ـ في استثماره: «أدور حول مرضي وأستثمره».

إنّها ليست سرديّة خارجة عن المألوف. إنّها تعيد تعريف المألوف وكلّ خارج عنه. تعيد تعريف المعرّف الذي ألفناه في كتب النقدِ وفي كتبِ الطبّ وفي أبيات الشعر وفي نقده القديم والمحدث والمعاصر. لا شيء تهمله عالية للمصادفة في حياتها كما في كتابتها عن موتها المشتهى: جرّة الوقت الفخّارية في الزمن السرديّ تذكّرني بجرّة مائها الفخّارية الملفوفة بقماشٍ خشنٍ التي روتني منها مرّاتٍ ماء زلالاً.

رائحة مخضرمة من نباتاتها المنزلية الأليفة التي تسقيها بينما أقرأ على مسامعها بريدها. أسترق النظر إلى يديها ترتفعان بقربة الماء نحو فم النبتة وأسترق الشمّ أيضاً لأمتلئ برائحة «الروز ماري» التي تطفو على سطح الرواية مثل زهر البرتقال في نافورة بيت دمشقي عتيقٍ. ترتّب حروفها كما تحرص على ترتيب صحونها الفخّارية في الخزانة. كلّ شيء فخار في البيت كما في المتن الروائي يذكّي رائحة الهشاشة البشرية ويذكّر بأسطورة كلسنا الأولى. تجلس ضيوفها من الشخصيات في صدر البيت بعد أن تنزع أحذيتها في مدخله الضيّق. ففي بيتها كما في روايتها، يمشي القرّاء والضيوف حفاة مثل «خطبة الهندي الأحمر».

وفي «خلوة النّقص»، يمكنك أن تعثر على كلمة أليفة في مشافهات عالية اليوميّة مع الصيدلية ومع الجارة ومع أصدقائها البعيدين في الهاتف: «ها عيني»؟ «أشكرك» «فدوة لعيونك». تتملّظ وأنت تقرأ خلوتها ونقصها ما يتلمّظه ضيفها من «حسن ابتدائها» ـ على حدّ توصيف النقد القديم ـ في البيت أعني حسن ضيافتها. وفي البيت عندها كما في الرواية، نجلس بنديّة مع الموت: ضيفاً مقابل ضيف. لقد علّمتنا عالية أن نحترم خصومنا وأن نكرم مثواهم. وهذه جمالية لا تتحقّق في كلّ نقصٍ ولا ترتمي في أحضان أيّ خلوةٍ.

صهيل الإخفاق وماء البتر

لا تكتب عالية هاهنا بقلمٍ كامل الحبر. ولا تكتب بيد ممتلئة الأصابع. ولا تكتب على ورقٍ رباعي الأركان. ولا على سرير ناصع البياض. ولا تكتب بحروفٍ تامّة. كلّ شيء مبتور. وكان ينبغي أن تتحقّق مقولة البتر حتّى يخرج إلينا النصّ كاملاً. لكلّ نصٍ ثمن. عدّت ممدوح نقائصها كاملة بأطراف أصابعها المبتورة من برد المنفى القاسي قبل أن يذكّرنا سطر سرديتها الأوّل أنّها قد احتفظت بأمراض عائلتها كلّها. فمن تقاليد عائلتها التي حرصت على وراثتها أنهم يتّبعون المرض كما لو كانوا «في مدرسة داخلية».

«خلوة النقص» هذا عنوان مؤقت في سياق الرحيل الطويل. رحيل يبدأ من خلاصة التراكم الذي لا تخفيه عالية كأن تتحدّث عن «الإخفاق» الذي ينتظرها كأن تكتب مرتين في خلوة واحدةٍ ببساطة ومن دون استجداء شفقة من أحدٍ، لأنّها لن تجد «من يطبق لها الجفنين». إنّ هذه الجملة على قسوتها الشديدة اعتراف سخيّ بآلام كلّ من ماتوا في المنافي من دون أن يجدوا من يطبق لهم «الجفنين». لقد ثأرت لهم هذه الجملة وأطبقت عالية جفونهم كلّهم موتى وأساطير، كتّاباً وبائعي شاي! نباتات ورواياتٍ فهكذا «هم سلالات النباتات والبشر وما بينهما من رحلات مشتركة محفوفة بالخمود ثم الرقاد في ذات المكان».

خليط من الآفلين الحاضرين وسط شجار الضمائر

يتكرّر سوء التفاهم بين النّقص والمرض فيتدخّل حضور كثيف من جمهور نخبوي ليبرّد لظى الموقف وقد اكتوى برمل الإخفاق. يأتي تباعاً ماو تسي تونغ وجان جاك روسو وشوبنهاور وسيفيرو سارودي وراهب بوذي ورولان بارط ومارغريت دوراس. يعودون عالية في غرفة المستشفى العسكري الأنيقة ليهنئوها بالسلامةِ من نواقص المصعد الكهربائي الذي سحبها مراراً نحو مخابر التحاليل وآلات ممغنطة، كأنّهم يحضرون مشهد العشاء الأخير الذي تغريه ممدوح بالقدوم نحوها وشرب كأسها الأخيرة ولا يأتي. هكذا تستدرج اللغة إلى سرّ التاريخ.

تشهق الخلوة ولا تموت ولا تنفعها تمائم الجدّة البعيدة ترتّل آية من حاقّتها «فهو في عيشة راضية، في جنّةٍ عالية، قطوفها دانية».

وهذه هي عالية ممدوح.. تدنو قطوفها دائماً فلا تقطفها سوى الخيبة والانكسار والخذلان والمرض. لقد كتبت ذلك في الأجنبيّة وفي التشهّي وفي المحبوبات وفي الولع وفي سواها من رواياتها. إنّها تدرك تماماً ألا فردوس ينتظرها وأنّها عالية بلا جنّة. فلا تبدو هذه الكلمات المبثوثة كالعقيق المطرّز غير محاولة لترويض الدهشة التي أصيبت بها عالية باكراً ولم تشخّصها مخابر التحاليل الطبيّة ولا مخابر البحث السرديّة. لم ير أحدٌ دماء حروفها مصلوبة في باريس ولا مخدّة رأسها «المحشوة بالسنين والإخفاقات».

تغصّ شواهد الحضور الآفل من كتّاب ورهبان وفلاسفة وفيزيائيين وتصطدم «جميع الأسماء الصحيحة والمعتلّة» في فصل روائي. يمشون تحت مسامها المثخنة من الحقن والتجريب فلا نشعر ـ ونحن نقرأ ـ إلا بدبيبهم على شفاهنا. والكاتبة هي الكاتبة. تئن وتدفن رأسها في خلوة الانكسار ولا يخبو قلمها مع ذلك.

يتصاعد صوتها مبحوحاً «بغداد كجدّتي مريضة دائماً»

طلبت عالية موتها مراراً إلى بيت الطاعةِ في هذه الرواية. بيد أنّه عنيد ـ مثلها ـ إذ لم ينطع كما أبت هي الطاعة في رواية أخرى. استعدّت له مثل جندي حصيفٍ لم ينل من الرتب العسكرية الكثير، بيد أنّه من أسلاب مريم التي شفع لها الرطب الجنيّ. أحضرت كلّ أدواتها لتستقبله: نمش والدتها وصوت جدّتها وأسماء صديقاتها ودمعتها التي حُفرت على رقبة وفاء قاسم في ثلاجة الموتى ولهجتها العراقية التي عركتها طويلاً مع توابل البيت مثل حكيم صيني يعدّ ترياقاً سريّاً. وجهّزت بغدادها قرباناً لعيْنيه.

قالت: «أستعدّ للحزن هنا بصوتٍ مرتفعٍ»! غير أنّ الموت لم يخيّب ظنّها إذ لم يستجب. لم يكسر أفق انتظارها المعهود فلم تألف أن يجيء إليها شيء تريده حتّى الموت! لقد رماها بباقة من الألم ومضى هازئاً من مسامير الصلب التي نخرت حبالها الصوتيّة فتهدّج الحرف المتعثّر من أعلى خلوتها حتّى درج نقصانها.

ثقوب خمسة في كفّ النبتةِ وفي راحة رئتها

مثل طفلة صغيرة لا تعرف من الأرقام سوى ما تسعه أصابع يدها، عدّت عالية ثقوب رئتها التي ينبجس منها النقص مثل ساعة رمليةٍ. فوجدتها خمسة محفورة في خدّ نبتتها الأليفة. تتخبّط في الحلم والأنقاض وتعترف تحت سيل الأمراض المنهالة عليها أنّها تبحث عن خلوة رحيلٍ، إلى لذّة لا تتحقّق لتعدّ هناك على مهل نقائصها ونقصانها. تجثو في محراب خلوتها وتبتسم لقافلة المسافرين الذين ودّعتهم فكتبتهم: بائع الشاي وأمّها ووفاء قاسم وجدّتها ودموع رولان بارط على أمّه. تفتح ذراعيها مثل راهب متضرّع إلى مرضه.

تعترف به ولا يفعل. تتشرّف به وتهديه صرّة هي «كومة عظامها» لينحت وسام انتصاره الأخير وإخفاقها المتوقّع ولا يقنع. لم يرحم المرض نقصانها ولا تركها وشأن كمالها الروائي. جثمَ على سُلطة لغتها ليشاهد كلّ شيء فيها ينتهي في لحظةٍ وهي تخوض مواجهة السؤال الأبدي عن سيرورة هذا الجسد من الأزل إلى الأبد.

لا معنى للأرقام بعد خُمس اليدِ. تقبض عليها بكلّ جُمعها وبما بقي فيها من قوّة الإنشاد وتحاول أن تستأصل نقصاً لا يُرى في مدينة الإفرنج التي لا تعترف بالموت ولا تحزن على موتاها: «الموت لا يُرى في المدينة المضاءة طوال الوقت» فهل أقسى على كاتبة ثاقبة الملاحظة كثافة الثقوب في رئتها المعتلّة أن تعي أنّها ستنتهي في مدينة تطمس أحزانها؟ «تُرى أين يخبّئ الفرنج أحزانهم؟»

لفيف مقرون بالهزائم

تعود بغداد: تعود في الكتابة وتعود بها. لكنّ صاحبتها لن تعود إليها البتّة. يتصاعد صوتها مبحوحاً «بغداد كجدّتي مريضة دائماً». ودجلة لا تصبّ في نهرٍ آخر سوى عينيْ عالية. عيناها اللتان تحملان زرقة غير مألوفة لا هي زبد البحر الهائج ولا هي صفاء السّماء المورقة، ولا هي تماماً لون خرير الماء. هذا لون النّقص الذي أصاب مقلتيها منذ أكلت من تفّاح الرافدين. لقد خلا النّقص إلى بؤبؤ عينيها وتكوّر فيهما مثل جنين ميّت حتّى ازرقّا. وها هي اللغة تبدو «وحيدة وموحشة»، إذ تقضم «أوراق أفولها» التي تحاول عالية ترتيبها كلّما صحت من محاليل التخدير في الضاحية الباريسيّة.

ولكنّها رواية تكرّس مفاهيم جديدة للجمالية. إنّها تفلت من الأجناس المعهودة: فلا هي نثر تماماً ولا هي نثر مغتسل بالشعرِ ولا هي حبكة من الخطوط أو من الخيوط أو هما معاً، ولا هي سُرر مرفوعة ولا نمارق مصفوفة. إنّها جنس ينزّ من المرض والخذلان والانكسار.

رواية تتصالح مع فكرة النقص وترفس الكمال الزائف مثل ناقة حرون. تتناثر حولها المسمّيات مثل ريش الوسائد. تفرّ من النقص وتنتمي إلى لغة التفاصيل. إنّها رواية تجترح لجنسيّتها جرحاً خاصاً وجنساً خاصّاً. نحجّ إلى خلوتها ناقصين لنتبرّك بآلامها علّها تُذهب عنّا سيّئاتنا. نعرّف
أنفسنا فيها قرّاء وحجّاجاً وتبقى هي سرديّة عصيّة، ملكية جمالية للجميع. دعتنا عالية ممدوح في هذا النصّ إلى كلمتها السّواء: «أنـا المؤلفة وهذا مرضي الذي لا شفاء منه».
رابط المقال : https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/culture/891537/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD—-%D8%AE%D9%84%D9%88%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B5