«خلوة النقص»: البروفة النهائية للتدوين واستفهامات حول سندات الألم


دُنى غالي
مَن هو الذي تختلي به؟ الحبّ قائم ومركزي لدى عالية ممدوح، عبر سردياتها، تقشع به حياد الصفحات البيض، تحارب به، وبشراسة، رتابة الحياة، وتتمرّد على بلاهة الواقع. ولكن هل تختلي امرأة مع نقص؟ ما هذا النقص؟ بعد تمهيدٍ، وعلى عجل، نعرف أنّ لا أمراض موسمية في سجلّ العائلة، وأنّ مستقبلهم يحكمه المرض. نشعر سلفاً كما لو أنّهم كانوا، مذ صغرهم، مبتلين بدفع القسط الشهري لشركة التأمين لئلا يخطئهم الموت؛ إنّه رابض، شديد الوقاحة بوضوحه، غير خجلٍ من نفسه، وقد أقام مرتاحاً منذ القِدم بينهم.
هل يشير النقص إلى المرض، أم هو الموت الحاضر فينا، أم موتها الخاص، طالما الأمراض مزمنة في هذه العائلة: العمّة، الأخ، الجدّة، والوالد (الوالدة ماتت «منذ زمن سحيق، ربما قبل ولادتهم»)؟ تحضر العائلة برمّتها لتدعم ما تحاول قوله، ليس لأن الأمر صعب التصديق، ولكن لأن الكائن الخرافي لا يكفّ عن التضخّم سنةً بعد أخرى. هي لا تغفل عنه لحظةً. وإن حدث ونسيتْه فستخشى أن يجد الآخرون شيئاً ما ناقصاً فيها (وربما يكمن في ما تقوله ما هو أكثر من مجرد خشية، نحن لا نعرف بعد). وللنقص، كما سيظهر لاحقاً، أطيافٌ كثيرة تهيم، تسعى وتجول. سلفاً سيُلغى الانطباع الأوّلي؛ أن الخلوة تكون بالضرورة مع حبيب (ربما، نحن لا ندري بعد، وما زلنا في شكّ). والنقص لا يشير، حتى الآن، إلى شيءٍ مادّي بقدر ما يشير إلى ما هو تحت الجلد، تحت قشرة الرأس، وبين الضلوع، في تلافيف الدماغ، وفي الهواء. (هل صار المرض جزءاً منها؟ ذلك استفهام سيبقى مفتوحاً).
تصلنا الصور منذ الصفحات الأولى، zoom in وzoom out بتوالٍ، لتعكس قدرة هذا النقص الهائلة على الكشف عمّا يمكن أن يظهر أمامها، من دون عداء أو حنق، ولكن بضبابيةٍ في الرؤية بدء انطلاقها في السرد ما بين ضميرين بالأخص، كانا يتقاتلان على الدوام: الـ»هي» والـ»أنا». بهدوء، تسحب الصور القديمة من ماضيها البعيد جداً، الحقيقي والمتخيَّل، عابرة الصفحات بمازوخية حاضرها إلى المقبل، الحقيقي والمتخيَّل؛ ذلك الخليط ذو الفورة غير المحسوسة الذي تستمر بتحريكه بأناة، وقد امتزجت حروفه لتتشكّل الفصول تباعا، متخذة أسماءً لها، في ابتكارها لسجلٍّ طبيٍّ مغاير، كتبتْ تاريخَه بقلمها وتوقيعها على مدى 189 صفحة.
تدوينٌ جاء كعملية تهكير لقاعدة بيانات المرض، «بتقليب عظام سلالات الأهل عظمةً وراء عظمة»، تمّ عبرها تمرير معلومات حسّاسة وسرّية لفضح الجسد، صفحةً تلو صفحة. جميعها دارت حول عنفوانه الذي كان، بتفاصيل عجزه وهزائمه وأصوات ضعفه، «الفرجة» على «خردة السنوات»، وتتبّع شقوق تسريبه للوجع. وهي تفترضه استثماراً للألم ذاته، كقوة إبداعية لفهم الحياة وعيش التجربة. هذا الألم، كعنوان رئيسي شبه مؤسطر، تخشى أن تضيق به قوانين الجمهورية الفرنسية حين يصحو ويرتفع صوته. لكنها، بعد بحث وتباحث معه، تقرّر ألا تُبذّر فيه، وأن ترتاح إليه، وتقبله وتدافع عنه، رغم إزاحته لمتع اللقاء بمن يجلب لها البهجة؛ أن تصخب معه لو شاء، خلاف الجدّة التي ما طاقت صوتاً يصدر بالقرب منه: هذا الألم.

تصعدُ متعاقبة، كموجات هادئة، أحمالُ الأفكار، ورجْعُ أصوات شخوصٍ رافقتها وغابت، والبعض الآخر ما زال معها في الرحلة. تأتي هذه الأثقال -الأوهام، التهم، والخروقات – كحصيلةٍ حَمَلتْها من بلدها، ضيّقت الخناق عليها وقطعت أنفاسها في الطريق حتى بلوغها منفاها. تُطيعه كسيّدٍ حين يستفحل ويتجبّر؛ المرض الذي جعلته كائناً حيّاً لصيقاً. ورغم العقاقير، سيارات الإسعاف، المسعفين، المرضى في الأروقة والردهات، غرف الفحوصات، أصحاب الثياب البيض، رغم الكفوف الزرقاء والكمّامات، لم نشمّ فيه تلك الرائحة الحامضة، ولا أثراً للمعقّمات. لم نتطيّر منه (ما الذي يجعلنا أوفياء مرابطين لقصص الموت؟)، لكننا بقينا عالقين حيث تقيم، ما بين مخطوطتها والسرير، مدفوعين برغبة التعرّف على الثنائي، لا على المصير الحتمي المشترك لنا وباقي البشرية جمعاء.
أجادت مغافلتنا – خطّتها المبيّتة- وطردتْ عنّا الوحشةَ المصاحبة له حين سحبتنا بخفّة الحواة الملسوعين بنارهم لنرافقها أيامها ولياليها؛ في الرواح والمجيء، في الجواب ضمن حدود الأمتار القليلة المتاحة لشقّتها، في مشاركتها تقريباً كل حفلاتها، في اختيارها ما تنتقيه له من ثياب، وفي ما يجرّدها منه عند لحظة الوقوف على الحقيقة. حتى في تصديق الكذبة حيناً: «عشّاقي الأطباء»، أو «لا نحتاج إلا القليل من الحبّ لنغدو مرضى». ألا ينمّ ذلك عن اكتفاء ورضى منقطعَيْن؟ أن تدير ظهرها، في عزلةٍ وتفرّغ كاملين له، بإيقاع يختلف عن إيقاع العالم؟ لا؛ لا يخفى أن الأمر كان، بلا شك، اضطراراً، خلاف ما تُظهِر. الحال أنّه قد اختارها.

الدهشة حيال المرض، المساحة التي ينتقيها وهو يغزو الجسد على مراحل، تعقبها لذّة غريبة باختبار القدرة على وصفه، بانتقاء شتى النعوت من أجل فضحه أمام الكل والعالم. هي سترفض هذه الفكرة قطعاً، وإن حصل واتفقت معها فربما ستقرّ في كونها لذّة مخيّبة، وستصفها بروح التهكّم العالية التي تختزنها: «لذّة تذكّرنا بتصفيات المحلات للألبسة الموسمية، لا تُبقي في الواجهات إلا ما لا يناسبنا أبدا».
رغبة بدت لا واعية بإدانته: المرض، الألم، النقص، الموت: هل يستخدم يديه الآن، أم أسنانه؟ أم هو حريقٌ ما ينفثه في الجسد؟ وهل تنجح في اختبار وصفه؟ هل كان اختباراً، أم تلعثماً بالكلام، أم باللغة، أم هو احتضار اللغة عينه؟ إنها تثير استفهامات لا حصر لها، ولا ندري إن كان النص يعد بتفسيرها لاحقاً.
رحلة السرد اقترحها النقص ذاته؛ أقنعها، وكان لا بد من إتمام تأليف هذا الكتاب. لا تُخفي أدواتها، أزمات تدوينها، نعرف حتى مسافة القرب والبعد من كرّاستها. حوارات متواصلة صوب المجهول. هل تحاول أن تشركنا معها؟ هل تشعر بخوف؟ لطالما استخدمت ضمير «نحن»، فنسير معها، وإذا بها تتخلّى عن الجمع وتعود تتركه لينفرد بها. خطوط السرد متداخلة عبر الفصول، بين المرض والحبيب باستحضار روحه. يتدخّل هو الآخر ويقترح حيناً، وهناك الصديقة، الابن، والطبيب. خطوط متوازية بالقلق وخطابات اليقظة، متقاطعة بين المحطة في حي الصالحية، طريق السفر بغداد- دمشق- بيروت، والغرفة 202.
وقد تظهر الخطوطُ خِفيةً معادية لبعضها. يحدث وهي في طريقها إلى غيبوبة، أو عند نقلها إلى السرير المعدني، «خلف الستارة التي يجذبها النقص عليهما»، «حين يهتدي الحبيب إلى المحبوب». وقد تمتدّ يدها إليه طلباً للنجاة، فترتسم في «الليل لما خلي» صورُ دخوله الأول: هيئته المدنية، العسكرية، حزبه خلال اضطرابات إحدى المراحل الفاصلة في تاريخ العراق عام 1963، وهروبه -»فراره في أدبيات المخابرات». تأتي ردوده التي تحمل الشيء ونقيضه: «لا حلّ للمرض حين يهجم أحياناً غير اللجوء إلى القوة العسكرية»، يسرقها من سرير الفحص إليه، «وجميع ما لديها من صناعته»: سفرات، مطاعم، وأسرّة فنادق. ارتدت في إحداها زي لجوئها الغرامي:»أنتِ نحيلة كهلال العيد». ليقطع صوته غريمٌ معادٍ ينتظر بفارغ الصبر انتهاءها من كتابة مخطوطتها ليقرأها.
هناك الطاقة الكامنة خلف الجسد الهش، المقترنة أحياناً بجسد بغداد المريض. تستعطف اللغة والقارئ و»الناشر» حتى بـ»صيدها الأدبي»، بينما لا تكفّ عن إعلان تمرّدها ونقمتها على الضجر الذي تولّده الشعارات القاتلة ضد تفرّد الكائن، من قبل الدولة والمجتمع والعائلة. حسٌّ خفي بالانتقام، بعيد بالاقتراب العابر من أيديولوجية حزب البعث و»نظامه الساقط»، السؤال حول مدى إيمان المحبوب بالقتل، وقصّة الثوب ذي الذيول الطويلة، والبَكرة التي جمعت خيوطها من نسل منامات العائلة، وتمنّي وقت لم يُغَرَّر به – نحسب أنها تعود إلى كل ذلك ولا تفعل.
ربما الملل، أو القلق بشأن الأشياء التي لا تنتهي: كيف سيكون الحال من دون المرض؟ كيف لو غادرتها اللغة؟ تواصل الدردمة ومشاغبة الروح، وتحريض الذاكرة لتغليب صوتها بحثاً عن لُقى لن يثمّنها غيرها. لكن مهلا، هي أسْمَتها «البروفة النهائية للتدوين»، سيرتها، سنوات المواجهة مع هشاشتها. وإذا كانت هذه هي البروفة، فالعرض الفعلي سيكون بالموت. وما هذه البروفة إلا بدافعِ أقسى مناوراتِه؛ ظلّه الثقيل الذي كسّر كل الأقفال، تماماً كما فعلت عمّتها، ليخضّها ويفضّ خصوصيتها.
إنها سيرة الغموض الأنيس الذي يشوب حياتنا، ولا نريد له أن يُدرَك. نداريه حين الألم بالتدوين، وقد يمتدّ هذا الفعل إلى ما لا نهاية. وبعيداً عن الموت، فلا شيء نهائي، وهو قد لا يرضى إلا بـ»الارتباط الكلي ما بين المريض ونقصه».
خلوة النقص، عالية ممدوح رواية، دار الآداب، بيروت 2026.

كاتبة عراقية

https://www.alquds.co.uk/%D8%AE%D9%84%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%88%D9%8A/