<التشهي> رواية عالية ممدوح الجنس ترجماناً للغة والسياسة

المؤلف: زوين صباح الخراط | التاريخ: 2007-07-11 | رقم العدد:10746
التشهي ، رواية جديدة لعالية ممدوح عن دار الآداب، حيث تقدم لنا الروائية العراقية المعروفة باقة اخرى من باقاتها الحكائية الفكرية والجنسية في تنويعاتها وأوتارها وتلويناتها التي تلعب عليها الكاتبة ولا تتكرر، وذلك منذ نيف وأربعة عقود. الجنس، الجنس، الجنس، هو البطل في هذه الرواية، وعالية هي من أولى العربيات ممن كتبن في هذا المنحى، هذا إذ نتذكر كلنا حبات النفتالين التي كانت قد صدرت في طبعتها الاولى في الستينيات. اذاً الجنس هو البطل، اي الشخصية الرئيسية في القصة، وهو وبامتياز، البطل المهزوم، الضعيف، العاجز سياسيا واجتماعيا. انه المهزوم إزاء المرأة قبل كل شيء، والكاتبة تتكلم عن ذكر سرمد برهان الدين الذي اختفى فجأة، اي انه استقال عن نشاطه الطبيعي البيولوجي الجنسي. لكن ثمة اكثر من ذلك، فهو يشعر بالهزيمة داخل عالم المرأة، وكأن الكاتبة دخلت عبر هذا الموضوع الى صلب أزمة مجتمعات العالم الحديثة حيث يرى الرجل نفسه خسر سلطة ما، او مكانة ما، او تحديدا، الدور المحوري الذي كان يلعبه سابقا، ليلاحظ ان معظم الادوار انتقلت الى المرأة، اذ حتى السياسة لم تعد شأنا مهما في عالمنا المعولم اقتصاديا ومركنتيليا في غياب كل تلك الايديولوجيات اليسارية التي كانت سائدة في العقود الماضية، وكانت بطريقة او بأخرى افضل التعبير عن الرجولة او الذكورة او البطولة او العنفوان وإلى ما هنالك مما يفتخر به الرجال. فغاب الفخر وغابت عزة النفس والجلاد السابق أصبح اليوم الضحية، ضحية من كان يعتبر ضعيفا في الماضي، اي المرأة: اللعنة على البرودة الجنسية والصعوبة الجنسية والمبادرة الجنسية. آه، كم استخدمتني كيتا والبيضاوية، كم تعريتُ أمامهن وأمام شاندي، هي الاخرى تستخدمني من اجل ابحاثها وتعاليمها فلم اعد قادرا على لعب دوري ولا العودة من حيث بدأت . بدأ سرمد رجلا ذكرا بكل معنى الكلمة، وبدأ مناضلا يساريا شيوعيا، لكنه يرى اليوم ان تلك النضالات السياسية انهارت وأن تلك البطولات الجنسية، بالتالي وتزامنا، اخفقت مع الوقت: هيه، اسمع يوسف، لو ترجم البيان الشيوعي ترجمة سليمة وأمينة وجميلة لتحولت شعوب هذه المنطقة الى الشيوعية . تجدر الاشارة الى ان احد المواضيع المهمة التي اهتمت بها ايضا الكاتبة، هو الترجمة. فهذا البطل المنهزم، اي بطل الحداثة بامتياز، اللا بطل، كان، اضافة الى انتمائه اليساري سياسيا، مترجما وباحثا. ويعزو فشل الشيوعية في المنطقة الى سوء النقل عن الاجنبية الى العربية. قد يجوز هذا، على الرغم من ان ثمة اسبابا اهم بكثير، وفي أي حال أرادت الروائية ان تركز على نموذج من الرجل العربي الذي اكتشف في نهاية المطاف أنه خسر وطنه الأم وهو يتسكع في المنافي، وخسر نضالاته الفكرية وهو يحارب طواحين دونكيشوتية بينما سبقه العالم الى حروب اخرى، وخسر ذكره وذكورته جراء كل هذا. والذكورة تعني المغامرة والاكتشاف، وفي غيابها غاب الإنسان السابق الذي كان يناضل من اجل التغيير او التجديد: ربما كان الشغف بالجنس هو الذي يسمح لنا دوما برؤية شيء جديد في داخلنا . فتربط عالية ممدوح على مدى 270 صفحة بين الخفوت الجنسي والخفوت السياسي، وتضع على لسان شخوصها مرارة ما، حنينا ما لما ضاع وفات وتوارى من الشغف في المغامرة السياسية، تماما كما توارى فجأة ذكر سرمد الذي اخذ القلق يتآكله، ويراجع الاطباء ويتساءل امام المرآة ولا يجد حلا. بل لا يجد امامه سوى الاحباط بسبب هذا كله، بسبب الخسارات المتراكمة وخصوصا بسبب الضياع الذي وجد نفسه فيه بعد تركه وطنه الأم، العراق، وتشرذمه في مدن العالم، وكأن في هذا السياق تساوت المدن والنساء (نعم النساء مرة اخرى ودائما) في التسلط على الرجل المستضعف: آه منهن، كن يتناوبن عليّ ما بين اوروبا وأفريقيا والشرق الاقصى، يشبهن الامواج المتلاطمة يصعدن فوقي وأزيحهن من تحتي فلا اشاهد إلا عزلتي (…) . هذه العزلة تناولتها الروائية عالية ممدوح عميقا وبشكل واسع لتخبرنا ايضا انها (اي العزلة) تطال ليس فقط العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، وليس فقط العيش اليائس وغير المستقر في شتى مدن العالم، انما تطال ايضا الهوية والاسم وما شابه: (…) وأنا استعمل احد اسماد أخي الحركية هلال العراقي وهذه هي المرة الاولى التي افصح فيها عن اسمي الذي اختبأت وراءه كل تلك السنين. (…) سرمد أنت دائما تعيش في مكان آخر وهو الهناك. أنت يا سرمد لا هذا ولا ذاك. أنت هش ومكسور ومجروح . إلا ان الجرح الذي تناولته ممدوح بحنكة وبعمق كبيرين، أوصل سرمد الى اماكن أبعد وأكثر تعقيدا، اوصله الى التساؤل حول معنى عجز اللغة او خيانة اللغة او اغتصاب اللغة، ولكل هذه المعاني علاقة وثيقة بالحياة الجنسية، خصوصا الذكرية منها: إن ما يعوزني حقا، هو العثور على سر العجز الحاصل في اللغة، اللغات، في ايراد النعوت والصفات مما لا نقدر على التعبير عنه (…) كلما اخرج من المركز في طريقي الى الفندق، اشعر انني انشطر الى اجزاء وشظايا فأبحث عن كلمات، عن نوع كلمات لا اتخذ معها أية حيطة (…) كيف تهجر مدينتك طوال كل تلك السنين ولا تعود تبالي في اي مدينة مررت او سكنت او ستموت . تتشرذم الروح من خلال الاقامة المشرذمة، وكأن هذا التفتت وهذه الخسارة الجنسية والنفسية جعلا سرمد ينتبه الى عنصر اللغة، هذا الكائن الحي ولكن الخفي، او الخفي ومع ذلك الموجود في الذهن وفي الاذن وفي الامكنة بقوة. فمن جهة تكون اللغة اقوى من ان يعثر سرمد على أسرارها، ومن جهة اخرى تصبح في رأس سرمد او في قلبه وأذنه ولسانه بقايا لغة وشظايا لتكون شبيهة بحاله هو. اللغة لكن ثمة ايضا لغة اخرى غير هذه التي تكمن فيها قوة الأسرار او ضعف الانشطار، وهي الانكليزية! تلك اللغة الانكليزية التي رافقت سرمد منذ طفولته في العراق وظلت هاجسا في حياته لانها ربما لعبت دورا مزدوجا في تكوينه الجنسي النفسي الثقافي. فقد تكون عالية ممدوح أرادت من خلال مطاردتها هذه اللغة على مدى صفحات الكتاب، ومن شبه البداية الى شبه النهاية، الاشارة الى المنحى السياسي الاستعماري لها (اي اللغة الانكليزية)، وإلى المنحى الثقافي اذ كان العراقيون يرتادون المركز الثقافي البريطاني لتعلم الانكليزية، وإلى المنحى الجنسي اذا تذكرنا علاقة سرمد الجنسية الاولى في مراهقته مع فيونا البريطانية الشبقة والتي كانت من عمر والدته. هنا ايضا تعيدنا الكاتبة الى موضوع اللا بطل، الى الذكر الفاشل او الذي تسيطر عليه لغة الاستعمار وامرأة الاستعمار. إلا أن سرمد تعرض كذلك، او لنقل عاش شيئا من المثلية مع يوسف، اذ في مكان ما من الكتاب يبرر ذلك قائلا إن في كل إنسان شيئا من الشذاذ الجنسي. صحيح ان عالية ممدوح اسهبت في تناولها موضوع الجنس، لكنها لم تتوقف هنا. كان ثمة امرأة اسمها ألف ، غابت عن سرمد ولم نرها اطلاقا في الكتاب، الا ان ألف كانت حبه الاول والاخير، كانت في الحقيقة هي وحدها تجسد التشهي الوحيد والحقيقي لكنها ضاعت منه الى الأبد. وقد أرادت ممدوح التشهي ايضا في الحب الاكثر فتنة من ذلك الجنسي منه، الاكثر سحراً من كل الالتصاقات الجسدية، اي وبكلمة واحدة، ذلك الذي نحلم به ولا نعثر عليه: (…) تأتي ولا اعثر عليها، ألف كالشهوة، موجودة لكني لا اقدر على لمسها . أما عالية فقدرت على الاحاطة بكل هذه المواضيع في رواية واحدة!

https://archive.assafir.com/ssr/1455628.html